والفريق الآخر عندنا في الشرق لا يأخذون بالأسباب ، تواكلاً على الله ، وجهلاً بحقيقة الكون ، فعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) .
[أبو داود ، وأحمد]
(عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ) ـ أي عليك بالتعقل ، وأن تأخذ بالأسباب ـ(إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ) ـ فأن تستسلم ، ألا تتحرك ، أن تنسحب ، أن تندب حظك ، أن تقول انتهينا كمسلمين ، لا ، هذا ليس من الدين ، هذا تواكل ، ولكن الله يلوم على العجز ـفَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) .
إذاً الأخذ بالأسباب ، والاعتماد عليها شرك ، وعدم الأخذ بها معصية ، لكن الكمال أن تأخذ بها ، وكأنها كل شيء ، وأن تتوكل على الله ، وكأنها ليست بشيء ، أما إذا توهَّمها الإنسان أنها كل شيء ، فلابد أن يؤدبه الله عز وجل ، كيف يؤدبه ؟ يؤدبه ، ويشهد له أن الله هو وحده الفعَّال ، وأنه وحده المتصرف ، وأن الأخذ بالأسباب لا يقدم ولا يؤخر ، يعطل هذه الأسباب .
أوضح مثل : فتاةٌ شابة تتزوج بشاب ، ولا ينجبان ، الأسباب كلها موجودة ، الله عز وجل شاء أن يجعل هذا الزواج عقيماً ، ممكن ، مع أن الأسباب متوافرة ، أو أن يسمح لامرأةٍ لم تقترن بزوج وهي طاهرة عفيفة أن تنجب مولوداً ، كالسيدة مريم العذراء .