تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذا شاء الله لقويٍ أن يتسلَّط عليك ، تسلط عليك ، إذاً لا تخف من القوي ، بل خف أن يسمح الله له لأن قلبه بيد الله ، هذا المعنى الثاني .

ذكرت لكم سابقاً أن الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى أدى أمانة التبيين ، العلماء مكلَّفون من قبل الله عزَّ وجل أن يبينوا ، فبيَّن ، بلغت الحجاج مقالته ، فقال : والله يا جبناء لأروينكم من دمه ، وأمر بقتله ، بكلمة ، فجيء به ليقتل في حضرته ، فلما دخل هذا الإمام الجليل على الحجاج ، رأى السيَّاف واقفاً ، والنطع ممدوداً ، وكل شيءٍ جاهزٌ لقتله ، فحرَّك شفتيه ولم يفهم أحدٌ ماذا قال ، فإذا بالحجاج يقف له ، ويستقبله ، ويقرِّبه ، حتى أجلسه على سريره ، واستفتاه في موضوعٍ ، وضيفه ، وعطَّره ، وشيَّعه إلى باب القصر .

صُعِق السياف ، وتبعه الحاجب ، فقال له : يا إمام لقد جيء بك ـ اسمه أبو سعيد ـ قال له الحجاج : أنت يا أبا سعيد خير العلماء ، تبعه الحاجب ، قال له : يا إمام ، لما دخلت حرَّكت شفتيك ، فماذا قلت بالله عزَّ وجل ؟ قال له : قلت يا ملاذي عند كربتي ، يا مؤنسي في وحشتي ، اجعل نقمته عليَّ برداً وسلاماً ، كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم .

أقوى الأقوياء قلبه بيد الله ، والله عزَّ وجل قادر أن يلهم عدوَّك أن يخدمك ، وقادر أن يجعل أقرب الناس إليك يتطاول عليك ، لأن قلوب العباد بيد الله . فأنت علاقتك مع الله .. فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56)

( سورة هود )

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٦٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٦٢٧