أن يحاربه ملاحدة الترك إيثارا للعصبية اللغوية على عصبيته , بعد أن كان لهم به
من العزة والسلطان ما كان، ولم يكن لهم بلغتهم أدنى قيمة في الوجود , فأعجب من
ذلك أن يقوم من متفرنجة العرب أنفسهم من يحارب الإسلام، بعد أن كان لأمتهم به
من المجد والملك والسلطان والحضارة والعلوم والآداب ما كان , وكانوا به أئمة
لمئات الملايين من غير أبناء جلدتهم , يقتبسون دينهم من القرآن العربي والسنة
العربية , ويتدارسون اللغة العربية في مشارق الأرض ومغاربها، ويحجون إلى
بهرة البلاد العربية يتقربون بذلك إلى الله تعالى , وكل من لم يفسد التفرنج عليهم
أمر دينهم , يفضلون الشعب العربي على شعوبهم , حتى إن مسلمي الهند الصادقين
في الإسلام يفضلون استقلال العرب على استقلالهم وسعادة بلاد العرب وسلامتها
من عدوان الاستعمار على سلامة وطنهم.
مع هذا كله نجد بعض ملاحدة المتفرنجين من العرب يحاربون الدين
الإسلامي نفسه , ويطعنون به ويصدون عنه، ويرون من تقليد الترك وغيرهم في
العصبية الجنسية أن يعادوا جميع الشعوب الإسلامية حتى الشعب الهندي الذي يدافع
عنهم، وتبذل جمعياتهم السياسية من الجهاد بالمال والنفس في سبيله ما لم نبذل
عشره جمعية عربية، ويعدون إمامهم في عصبيتهم هذه الشريف حسين بن علي
المكي وأولاده الذين كانوا بحركتهم العربية أكبر مصيبة على العرب وخدمة
للأجانب , كما فصلناه في المنار وفي غيره من الجرائد بالبراهين التي لم يستطع
أحد من أنصارهم رد شيء منها.
ومن سوء الحظ أن الجرائد العامة تنشر لهؤلاء الملاحدة آراءهم حتى
للجاهلين منهم الذين لا يرجعون فيما يكتبون إلى شبهات علمية ولا سياسية تستحق
الذكر، أو تستأهل الرد، ومن ذلك ما رأيناه مرارا في جريدة البيان العربية الغراء
التي تصدر في نيويورك عدة مقالات في ذلك كان آخر ما نشر منها رد وطعن علينا
في خطتنا السياسية الإسلامية , وفي فهمنا للدين وتفسيرنا للقرآن، والكاتب لم يقرأ
من تفسيرنا شيئا، ولم يطلع على المنار أيضا، ولو اطلع عليهما لا يفهم منهما
شيئا مما نقصده فهما صحيحا؛ لضعفه في اللغة العربية وجهله التام بنحوها وبيانها
كما تدل عليه عبارته المملوءة بالغلط , وذكره لبعض آيات القرآن محرفة.. ثم
هو مع ذلك يسند إلينا من الأقوال الدينية والسياسية ما لم نقله بل ما قلنا ما يخالفه،
وينفي عنا من الأقوال والأفعال ما هو ثابت لنا ومعروف عنا ومنشور في مجلتنا،
وكذلك شأنه فيما ينقله عن غيرنا وما يسنده إلى التاريخ.
لهذا لم يخطر في بالنا أن نرد على شيء مما كتبه، وإن وقتنا لأضيق وأثمن
من أن يصرف في مثل ذلك، ولدينا من الأعمال ما هو خير منه وأنفع - ولكن
بعض كبار الكتاب السياسيين حملته الغيرة على الحق والخوف على أغرار قراء
تلك الجريدة الواسعة الانتشار , فيقرؤها العوام والخواص أن يغتروا ببعض ما يكتبه
هذا الرجل - على كتابة رد طويل على نوع من مزاعمه الباطلة الضارة، كما أن
بعض الكتاب المدققين المطلعين على بعض أجزاء المنار والعارفين بسيرتنا في
السياسة العربية والإسلامية كتب ردا آخر دافع به عنا، ونشر كل منهما في جريدة
البيان نفسها، فنشكر لكل منهما غيرته، وننشر الرد الأول العام، لأنه مفيد
للخواص وللعوام، وهذا نصه:
***
العالم الغربي والعرب والإسلام
لا حيلة لك مع المكابر بالمحسوسات
قد كان الناس يتمثلون بقول القائل:
لي حيلة فيمن ينم ... وليس في الكذب حيلة
من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليلة
ولكن نسوا أن هناك من تقل معه الحيلة مثل الكذاب وأكثر وهو المجادل
المكابر في المحسوس , الذي لا يجبن عن أن يقول للشمس الطالعة في رأد الضحى:
إنها ظلام، والذي يخلق أيضا التواريخ لتأييد حجته وينكر الوقائع الثابتة المشهودة
لتأييد حجته، ويتخيل ويخيل الأمور على ما يريده هو لا على ما هي عليه في