تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخلاص من مخالب الذين ينتهزون الفرصة لاسترقاقهم، فيجب على كل شرقي

دفعا لهذه النازلة، وصيانة لأمته من ذل العبودية، أن يسعى جمعا للكلمة في تشييد

مباني الحكومات الباقية في الشرق، فإن الأجانب ما وضعوا أيديهم على بلد إلا

عاملوا أهله معاملة الآلة، ولهذا يمكنني أن أقول: إن سيدي الخليل في مقالاته التي

حررها إنهاضا لهمم الأمة العربية , وإن كان ما أراد منها الأخير أبناء جنسه، قد

حاد عن صراط السياسية القويمة بتعرضه للدولة العثمانية، وكان عليه أن يفقه أن

هذه الدولة في هذه الأيام، بمنزلة نظام لأجناس مختلفة من الشرقيين يحفظها عن

التفرق والضياع، ويمكن كل جنس منها أن يسعى رويدا رويدا في إصلاح شؤونه،

ويرتقي إلى مدارج عزه، على حسب كده وجده , وإذا انقطع هذا النظام وتفرقت

الكلمة، وتشتت الجمع، واستقلت كل طائفة بأمرها فإنها لا تستطيع وقتئذ صون

نفسها عن تطاول الأجانب، ولا تطيق مقاومة الأباعد الذين لا يريدون إلا

استعبادهم، فيصبح كل هذه الأجناس عبيدا أذلاء لا يملكون من أمر أنفسهم شيئا،

فلا ينتظر لهم إذا كمال، ولا يرجى لهم فلاح أبدا، وربما اضمحلت جنسيتهم التي

نيطت ببقاء لغتهم، وهذا الموت الذي لا بعث بعده ما دامت الأرض دائرة , ولا

أشك أن سيدي الخليل لو لمح ببصره لرآني محقا في مقالتي هذه، ورجائي منه بعد

الإغماض عما جرى به قلمي أن يتخذ لكبح شرة الأجانب اتفاق كلمة العثمانيين

مسلكا لجريدته الغراء , ويبني خدمته لعموم الشرق على أساس سياسته،لا زال

هاديا للعباد إلى سبيل الرشاد اه.

قال جامع المقالات:

وقد كانت هذه الرسالة سببا في عدول تلك الجريدة عن مشربها الأول , إذ

كانت شديدة الانحراف على الدولة العثمانية كما هو مذهب كثيرين من بعض

الطوائف المستظلين بظلها لا زال وارفا, ثم استقامت واعتدلت بعد أن التمست

لنفسها العذر عما كان من رأيها فيما أجابت به أستاذنا، ثبتها الله على صراطها

الأخير وألحق أمثالها بها، وأكثر في المسلمين من مثل سيدنا وأستاذنا وأطال بقاءه

للدين والدنيا.

-----------------

<span class="footnote">

(1) أحمز الأعمال أمتنها اه , من القاموس زاد في شرحه وقيل: أمضها وأشقها.</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١٧