تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت النعمان يخطب قال: ذكر عمر ما أصاب الناس من الدنيا. فقال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يظل اليوم يلتوى، ما يجد دقلا يملأ به بطنه.

وقوله: " ما توفى حتى شبع الناس من الأسودين التمر والماء " وذلك لما فتحت خيبر. وذكر الماء هنا على طريق التيع للتمر لانطلاق اسم الأسودين عليهما، وإلا فقد كانوا يشبعون من الماء ولا يتعذر عليهم جملة وعلى ما تقدم بتآلف الروايات ولا يتعارض. وفى هذه الأحاديث التى جاءت فى عيش النبى صلى الله عليه وسلم وتعلله، ودعائه أن يجعل الله رزقه قوتا، دليل على فضل الزهد فى الدنيا والتقلل منها. وهذا مما لا خلاف فى فضيلته لخفة حسابه.

وإنما اختلف العلماء أيهما أفضل: الغنى أم الفقر؟ واحتجت كل طائفة بحجج، منها: الحديث الذى جاء فى هذا الموضع من دخول الفقراء الجنة قبل الأغنياء، وغير ذلك، تقدم الكلام عليها مبينا فى كتاب الزكاة. وقد رأيت لبعض من نصر الغنى من الشارحين - وهو أبو القاسم بن أبى صفرة - أنه لا فضيلة فى السبق إلى الجنة، المذكورة فى هذا الحديث، وإنما الفضيلة فى درجاتها، واحتج بدخول هؤلاء وغيرهم ممن جاء فى الحديث الجنة والنبى بعد فى الشفاعة، قال: ولا بشر أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم وقد سبقه هؤلاء بدخول - الجنة - قال: وكذلك من ذكر من المؤمنين والشهداء وغيرهم ممن يشفع.

قال القاضى: وهذا مما لا أساعده عليه؛ لأنه لم يرد نص بسبقهم للنبى صلى الله عليه وسلم [لدخول الجنة، بل فى نص الحديث: أن النبى صلى الله عليه وسلم] (¬1) أول من يفتح له باب الجنة؛ وأن الخازن يقول له: " بذلك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك " (¬2)، فأين هذا مما قاله.

وقد يجمع بين هذا وبين ما جاء فيمن ينطلق به إلى الجنة فى الموقف، والنبى صلى الله عليه وسلم فى الشفاعة وغير ذلك، مما جاء فى الحديث أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم [عليهم] (¬3) يدخلهم ويستفتح لهم ويدخل معهم، ثم يرجع إلى شفاعته، وهو فى ذلك فى الجنة، كما جاء فى الحديث: " أدخل الجنة من أمتك من الباب الأيمن من لا حساب عليه " (¬4) فانظر كيف جاء أدخلهم مع أن ما فيه النبى صلى الله عليه وسلم من لذة الحظوة وبلوغ الأمل فى الشفاعة، والقرب من الله تعالى، والنظر إليه ألذ من كل نعيم.

ويحتمل أن هؤلاء السابقين إلى الجنة ينعمون فى أفنيتها وظلالها، ويتلذذون بما هم

إكمال المعلم بفوائد مسلم · الجزء ٨ · الصفحة ٥٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إكمال المعلم بفوائد مسلمج ٨ · ص ٥٢٧