فإذا قيل إن المسجد محفوظ مصان عن الأذى فيجوز لها أن تصيب العبادة والخير والمسجد لايتضرر من هذا الوجه وهذا القول قوي وصحيح فلو قيل بالجواز فإنه وجيه من خلال ما ذكرناه أن مسفدة البول هي إتلاف المسجد وذلك بتنجيسه خاصةً إذا كان مكان البول لايظهر.
وفي كون النبي-- صلى الله عليه وسلم --يمنع الصحابة من إزرام الصحابي فيه حكمة ثانية : وهي أن الأعرابي لو أزعجه الصحابة لخرج فتقاطر البول فنجس مواضع أخرى ولا يمكن حينئذ أن يستقصى المكان ويتحرى فيه إلا بصعوبة فأذن النبي -- صلى الله عليه وسلم -- أن يترك حتى يقضي بوله دفعاً للمشقة الأعظم .
قال-- رضي الله عنه - وأرضاه- فقال النبي-- صلى الله عليه وسلم --:(( اهريقوا على بوله سجلاً من ماء)) : قوله-صلوات الله وسلامه عليه- :(( اهريقوا)) اهرق وأرق بمعنى والمراد بذلك صب الماء ؛ لكن التهراق والإهراق أبلغ فإنه يدل على الكثرة بخلاف الإراقة فإنها لا تلستزم الكثرة ؛ لأن" زيادة المبنى تقتضي زيادة المعنى" ومنه الحديث المشهور عن أم سلمة-رضي الله عنها وأرضاها-قالت كانت امرأة تُهراق الدماء على عهد رسول الله-- صلى الله عليه وسلم --أي كانت مستحاضة يجري معها دم الاستحاضة بكثرة متفاحشه.
وقوله :(( اهريقوا على بوله سجلاً من ماء)) : السجل هو الدلو وقيل هو الدلو الكبير ، وفي هذا الأمر من رسول الله -- صلى الله عليه وسلم -- فوائد :
الفائدة الأولى : دلت هذه الجملة على أن الأرض تطهر بالصب- أعني صب الماء- وأن نشاف النجاسة وكونها أرضاً مشمسة يتبخر البول منها لايقتضي ذلك الطهارة وهذا هو مذهب جمهور العلماء-رحمهم الله-أن البول على الأرض لايطهرها إلا الماء .