تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يعبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون

[العنكبوت: 56] ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ﴾ أخبر تعالى أن من خرج من بلده مهاجرا من أرض الشرك فارا بدينه إلى الله ورسوله ثم مات قبل بلوغه دار الهجرة فقد ثبت أجر هجرته على الله تعالى ﴿ وكان الله غفورا رحيما ﴾ أي ساترا على العباد رحيما بهم ﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ﴾ أي وإذا سافرتم للغزو أو التجارة أو غيرهما فلا إثم عليكم أن تقصروا من الصلاة فتصلوا الرباعية ركعتين ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ أي إن خشيتم أن ينالكم مكروه من أعدائكم الكفرة، وذكر الخوف ليس للشرط وإنما هو لبيان الواقع حيث كانت أسفارهم لا تخلو من خوف العدو لكثرة المشركين ويؤيده حديث " يعلى بن أمية " قال قلت لعمر بن الخطاب: إن الله يقول ﴿ إن خفتم ﴾ وقد أمن الناس فقال: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال

" صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته "

﴿ إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا ﴾ أي إن الكافرين أعداء لكم مظهرون للعداوة ولا يمنعهم فرصة اشتغالكم بمناجاة الله أن يقتلوكم ﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طآئفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ﴾ أي وإذا كنت معهم يا محمد وهم يصلون صلاة الخوف في الحرب فلتأتم بك طائفة منهم وهم مدججون بأسلحتهم احتياطا ولتقم الطائفة الأخرى في وجه العدو ﴿ فإذا سجدوا فليكونوا من ورآئكم ولتأت طآئفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ﴾ أي فإذا فرغت الطائفة الأولى من الصلاة فلتأت الطائفة التي لم تصل إلى مكانها لتصلي خلفك ﴿ وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ﴾ أي وليكونوا حذرين من عدوهم متأهبين لقتالهم بحملهم السلاح ﴿ ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ﴾ أي تمنى أعداؤكم أن تنشغلوا عن أسلحتكم وأمتعتكم فيأخذوكم غرة، ويشدوا عليكم شدة واحدة فيقتلونكم وأنتم تصلون والمعنى لا تتشاغلوا بأجمعكم بالصلاة فيتمكن عدوكم منكم ولكن أقيموها على ما أمرتم به ﴿ ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم ﴾ أي لا إثم عليكم في حالة المطر أو المرض أن لا تحملوا أسلحتكم إذا ضعفتم عنها ﴿ وخذوا حذركم ﴾ أي كونوا متيقظين واحترزوا من عدوكم ما استطعتم ﴿ إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ﴾ أي أعد لهم عذابا مخزيا مع الإهانة، روى ابن كثير عند هذه الآية عن أبي عياش الزرقي قال:

" كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد - وهم بيننا وبين القبلة - فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر فقالوا: لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم ثم قالوا: يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر "

﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ﴾ الآية ثم أمر تعالى بكثرة ذكره عقب صلاة الخوف فقال ﴿ فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ﴾ أي فإذا فرغتم من الصلاة فأكثروا من ذكر الله في حال قيامكم وقعودكم واضطجاعكم واذكروه في جميع الحالات لعله ينصركم على عدوكم ﴿ فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ﴾ أي فإذا أمنتم وذهب الخوف فأتموا الصلاة وأقيموها كما أمرتم بخشوعها وركوعها وسجودها وجميع شروطها ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ﴾ أي فرضا محدودا بأوقات معلومة لا يجوز تأخيرها عنه، ثم حث تعالى على الجهاد والصبر عند الشدائد فقال ﴿ ولا تهنوا في ابتغآء القوم ﴾ أي لا تضعفوا في طلب عدوكم بل جدوا فيهم وقاتلوهم واقعدوا لهم كل مرصد ﴿ إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ﴾ أي إن كنتم تتألمون من الجراح والقتال فإنهم يتألمون أيضا منه كما تتألمون ولكنكم ترجون من الله الشهادة والمثوبة والنصر حيث لا يرجونه هم ﴿ وكان الله عليما حكيما ﴾ أي عليما بمصالح خلقه حكيما في تشريعه وتدبيره، قال القرطبي: نزلت هذه الآية في حرب أحد حيث أمر صلى الله عليه وسلم بالخروج في آثار المشركين وكان بالمسلمين جراحات وكان أمر ألا يخرج معه إلا من حضر في تلك الوقعة، وقيل: هذا في كل جهاد.

صفوة التفاسير · الصفحة ١٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ١٧٠