وفي مكة التي هاجر من وجه أهلها لا يزال بها الخطر الذي يتحين له فرصة الإيلام والإيذاء، والجبروت والتعدي - والمطاردة والقهر والقضاء على دعوته والإجهاز على من يقفون معه أو يؤمنون به، وكذلك كان الحال في المدينة التي ظن أنه سيجد فيها جوا أنقى، وحالا أهدأ، لكنه واجه اليهود بها يضمرون الشر ويكتمون العداوة ويلهبون في قلوب المنافقين نيران البغضاء، ويرسمون لهم خطوط التمرد والعصيان، وإشاعة التفكك في صفوف المسلمين حتى لا تقوى لمحمد - صلى الله عليه وسلم - شوكة، ولا تقوم للإسلام دولة، وينتهي الحال بهجرة أخرى عن المدينة، كالهجرة التي كانت من مكة، وقد راود هذا الحلم أفكار بعض اليهود فقالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - لماذا لم تهاجر إلى (بيت المقدس) كما فعل الأنبياء والمرسلون من قبل؟
ومن أجل هذا كله فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كان في المدينة على حال لا يحسد عليها، وقد حمله هذا على أن يلتزم المبدأ القائل: (اطلب الموت توهب لك الحياة)
وطلبه الموت كان ممثلا في تلك الخطة التي سار عليها: