وقد حدث أنه - صلى الله عليه وسلم - كان ذاهبا لزيارة سعد بن عبادة الخزْرَجي الأنصاري لمَرضِه، وفي طريقه إلى بيت سعْد رأى جمعاً فيهم ابن أُبَي - ويظهر أنه كان لا يزال على الكُفر - ورأى النبي أن يُسلّم عليهم وأن يتحدث إليهم، وكان في حديثه شيء من الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، والأمر والنهي، والحلال والحرام، فما كان من ابنُ أُبَي إلا أن قال له:
هذا كلام تبذُله لمن يطلبه، وتُذيعه لمن يتشوق إليه، وتجلس في بيتك تقوله لمن يَفُد عليك، لأنك تُؤذي به الأحاسيس، وتُثير به العواطف، وتهيِّج به حفائظ الناس، ولما انتهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت سعْد وسلّم عليه رأى في وجهه الألم وعدم الارتياح فقال له سعد: أرى في وجهك يا رسول الله تغَيُّرا يُنْبئ عن غضب لأمرٍ لم يصادف منك رضاً وارتياحاً، فأخبره الرسول - صلى الله عليه وسلم - الخبر فقال له سعْد: اعذره يا رسول الله لأنك جِئت إلينا ونحن نَنْظِم له الخرز لنُتَوجَهُ علينا، وكان مجيئك تبديداً لأحلامه، وخيبةً لظنونه، وضياعاً لما كان يرجوه، ولهذا كان الدَّور الذي قام به عبد الله ابن أُبَي - رأس المنافقين - من الكيد للإسلام وإشعال نيران الفتنة في كل مناسبة، وإقامة العقبات والعراقيل في وجه الدعوة، لا يُستهان به في رأي المنصفين معه علماء السيرة النبوية، وربما كان وحده وراء التمرُّد الذي كان صلى الله عليه وسلم يُقاومه في صفوف المنافقين تارةً، ويُقاومه في صفوف اليهود مرةً أُخرى.