ولم يكن شيء من ذلك خافياً على قريش فأخذت تتوجس من الخوف وتضطرب من الفزع وتدرس من جديد الموقف الذي يجب عليها أن تقفه من (مُحَمَّدٍ) حتى لا يفلت من يدها ليستعد للوثبة عليها والنيل منها، ولا
يعدم - ما دام ماضيا في سبيله هذا المضي - أن يزحف عليهم بجيش من العرب لا قبل لهم برده، ولا طاقة لهم بالوقوف في طريقه.
ونحن نعلم من سيرنا مع الحوادث ووقوفنا على الخطوات التي سلكوها معه من قبل - على الرغم من الكيد العنيف والأذى المتلاحق - أنهم كانوا يتهيبون قتله ويعتبرون الإقدام عليه إقداماً على عمل طائش وتصرف خاطئ أو غير سديد لذلك تجنبوه ولم يقبلوا مشورة من كل بشير عليهم به تفاديا من عداوة بني هاشم وبني عبد المطلب، لكنهم أصبحوا مع محمد - صلى الله عليه وسلم - على حال تحتم عليهم أن يفكروا في قتله لأنه بسلوكه الذي يسلكه ونهجه الذي ينتهجه منعه إلى قتلهم من غير شك والحصانة تقضي إذا تجهز لك عدوك أن تتجهز له، وإذا خطا خطوة إلى حربك أن تخطو مثلها إلى حربه: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا).
وقد أيقنت قريش بذلك كله منذ أدبر عنها وفد الثلاثة والسبعين وأن عليها أن تحتاط للشر قبل أن يقع، إلا أن هذا الشر الذي سيقع شر شائك ودفعه بمثله أكثر شوكا، والحرج الذي تتوقعه من قتل (مُحَمَّدٍ) لا يزال قائماً لكن محمداً سيقتلها إن لم تبادر هي بقتله، لذلك وضعت هذا الموقف موضع الدرس وأخذت تقلبه على وجوهه كلها لتجعل بني هاشم وبني عبد المطلب أمام الأمر الواقع - كما يقولون - حتى لا يفكروا في الثأر له إذا قُتل.
فقال قائل: نربطه على ظهر بعير أهوج يضل به في الصحراء ليموت من الجوع والعطش، فسفهوا رأيه وقالوا له: إنه لا يعد بمنطقة الحلو وبيانه العذب أن يجمع عليه الجموع التي تتأثر بقوله وتشفق لحاله وتعطف عليه وتفك هذا الوثاق الذي يعانيه.
وقال آخر: نحبسه فردوا عليه رداً يشبه ما ردوا به على سابقه.