وقد بدا على المسلمين من هذه المحنة الهزال من الجوع والشحوب من الألم والحرمان والاصفرار من الحبس وفشت فيهم الأمراض والأوبئة، ولم يكن من حق المسلمين أمام هذا الضغط والحصار أن يتجولوا أو ينتقلوا إلا في داخل هذا السور المضروب أو السجن المحدد، اللهم إلا في الأشهر الحرم ليطوفوا بالبيت إذا أرادوا أو يحجوا إذا ما ابتغوا، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يجد متنفسه إلا في موسم الحج حين يستقبل الوافدين على البيت فيعرض عليهم الإسلام، وكانت دعوته تجد طريقها إلى أفئدتهم بسهولة، وكان ما يعانيه هو وأصحابه حينئذ سببا في عطف القلوب عليهم وميل كثير من الناس إليهم وقد سرى ذلك كله إلى صفوف خصومهم فكاد يبدد جمعهم ويفرق كلمتهم ويشيع فيهم التفكك والتخاذل.
ووقف بعض هؤلاء ليقول لقريش: إنه ليس من المروءة ولا من الرجولة ولا من الذوق والأدب أن نتمتع نحن بحقوقنا المشروعة وأن نحس بقيمة الحياة في حرية وأن ننعم بدنيانا التي بأيدينا في الوقت الذي يشقى إخواننا في النسب وزملاؤنا في الوطن وشركاؤنا في حرم بيت الله.