تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأبو طالب أمام هذا القول يقف موقف الحيرة ويظل يفكر في أهله وقومه كما يفكر في ابن أخيه الذي لا يصح له أن يسلمه أو يخذله أو يخيب رجاءه فيه، وفي تيار هذه الوجدانات المتناقضة والعواطف المضطربة، يذهب إلى (مُّحَمَّد) - صلى الله عليه وسلم - ليأمره أن يكف عن إيلامه لهم وعدوانه عليهم وإحراجه إياهم وقد عرض عليه ذلك العرض السخي الذي عرضوه والعدة الطيبة التي وعدوه بها وفهم - صلى الله عليه وسلم - من حديث عمه أنه ينوي أن يتخلى عنه، فلا يقف له دونهم فاغرورقت عيناه بالدموع، وأفهمه أنه يحتمي بربه ويستعين بخالقه ويعول على القوي القادر، ثم قال له في لهجة المطمئن الواثق: (والله يا عمي، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما رجعت عن هذا الأمر أو أهلك دونه)

فرق قلب (أبي طالب)، وقال له يا ابن أخي قل ما شئت فوالله لا أتخلى عنك ولا أخذلك ولا أسلمك لهم ... !

ومن حق الأديب البارع والفيلسوف الماهر والناقد البصير أن يقف أمام هذه الجملة التي نبعت من فيض إيمان (مُّحَمَّد) بربه وصدرت عن قلب امتلأ بجلال مولاه فلم يعد فيه فراغ لسفاسف الحياة، ولا لدنيا الناس ولا لأكاذيب الجاه أو السلطان.

ترى هل كان يتروى في نسجها ويتأنق في صوغها ويفكر قليلاً أو كثيراً في تأليفها، لتنطلق انطلاق السهم وتدوي دوي المدفع وتسير مسير الشمس فلا فم إلا وهو مرددها ولا رأس إلا هو واعيها ولا عقل إلا وهو مكبرها ويعجب بها أم أنها صدرت عن طبع وانحدرت عن سجية وحدثت من غير تكلف شأنها

شأن الشهيق والزفير، وهي وحدها تطوى ذلك التاريخ طيا في ماضيه وحاضره وتبرز هذه الأمة سيرة المنقذ واضحة لا غموض فيها بسيطة لا تكلف معها.

من فيض الرسالة · الصفحة ٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ٤٢