وهكذا جو من البهجة والرضا والسعادة والأمل والغبطة والارتياح ينسى بها كل شدة كانت وكل كرب كدر صفوه وأتعب خاطره وهو ما بين الاحتفال بشأنه والعناية بأمره والوعد له والرعاية التي تحيط به من كل جانب في جنة عرضها كعرض السماء والأرض.
لكنه - صلى الله عليه وسلم - مع ذلك كله كان يقف في الميدان وحده إلى أن آمنت به زوجته خديجة وصارت تصلي الصلاة التي علمه إياها جبريل وتسبقها بالوضوء والطهارة وتقرأ ما يقرأ من القرآن وانحصر تفكيرها كله في الوقوف إلى جانبه بمالها وأهلها وذوي قرابتها، وانقلبت عاطفتها له من زوجة تنظر إليه كزوج إلى مؤمنة مخلصة صادقة، تود أن تملأ قلبه بمعان أخرى أكثر من معاني الزوجية فترضاه وترجو أن يشملها بما أفاض الله به عليه من الهدى والإرشاد وكان إحساسه منها بذلك كله يشد أزره ويقوي ساعده ويبعث في نفسه الإيمان بأنه منتصر لا محالة طال الأمد أو قصر.
ثم آمن به من الغلمان (علي بن أبي طالب) الذي كان يتربى في بيته والذي أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بصنيعه - معه أن يرد لعمه أبي طالب بعض جميله عليه إذ كفله صغيرا بعد انتهاء كفالة عبد المطلب ... ولم يتدنس علي. كذلك - بشيء من دنس الجاهلية، لذلك قيل عنه كرم الله وجهه!!
وآمن به - أيضاً - مولاه (زيد بن حارثة)، وآمن (أبو بكر) وكان وجيها في قريش يهابونه ويحترمونه ويكبرون رأيه وتفكيره فكان لإيمانه أثر بارز وفائدة عظمي حيث قَفَّى على أثره (عثمان بن عفان)، و (طلحة بن عبيد الله)، و (عبد الرحمن بن عوف)، و (سعد بن أبي وقاص) وغيرهم من قوي بهم ظهر النبي - صلى الله عليه وسلم - وصار حديث الإسلام يتهامس به العرب في كل مجلس.