وهناك تحول هربه من الناس وفراره من صخب المحافل وبعده عن ضوضاء الدهماء واعتزاله لكل مكان يضم أهل الشرك أو عُبّاد الأوثان، إلى تفكير عميق في إنقاذ تلك الإنسانية الضالة والبشرية المعذبة فتطلع ببصره إلى السماء أملاً في قبس ترسله أو ضياء يكشف له معالم الطريق، وساقته قدماه إلى مكان عال يجعله مع الكواكب في ارتفاعها والنجوم في مداراتها فكان في غار حراء يغذي فكره بالعزلة وينمي حسه بالخلوة ويرقق شعوره بالاعتكاف وطابت له هذه الإقامة ولذّت له تلك العبادة، ورأى أن هذا العالم الروحي الذي تفتح له قلبه وانشرح به صدره وطاف في خياله لم تكن لتعدله لذة آو تساويه حياة، ولذلك صار كلما فرغ زاده ذهب إلى أهله فتزود زاداً آخر ليواصل السير ويداوم العبادة، وكانت هذه الفترة من عمر (مُّحَمَّد) - صلى الله عليه وسلم - إلى جانب كونها رصيداً روحياً ضخماً امتلأ به يقينه مما ساعده على أن يهزأ بالحوادث وكانت سبباً في أن تكون صلته بالله خير ما يتمتع به فؤاده، ولذلك يقول في بعض أحاديثه: "وجعلت قرة
عيني في الصلاة".
لأنها صلة بينه وبين ربه حيث يناجيه بحاجته ويبث شوقه ويطلب منه الرضا ولم تكن الصلاة وحدها في هذه الفرصة التي أرضى الله فيها خواطره وحقق بها من أمانيه من ذلك الارتباط الذي يبتغيه والتعلق الذي ينشده، بل شرع له الصوم الذي هو إمساك عن الأكل والشرب والجماع واللذة وفيه يتجلى كبح النفس بالطاعة وكفها بالحرمان وتهذيبها بالرياضة وتأديبها بالجوع، وهو - كما ترى - سمو بالروح، وترفّع عن المادة، وبعد عن الناس واتصال بالله لا يقل عن ذلك الذي يكون بالخلوة وتجيء من طريق التجرد عن الدنيا.