تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وربما كان من أروع الصور للإخلاص للدين وللرسول - صلى الله عليه وسلم - ما صنعته أم المؤمنين حبيبة بأبيها أبي سفيان، الذي ظن أنه سيجد في جوارها من الحنان والرحمة، والإجلال والاحترام، ما يخفف عنه ما يحمله فوق كاهله من هموم، وما لاقاه في طريقه من عناء، ولكنه رأى أن أبويته لها، لا قيمة لها، إلى جانب ما تحتفظ به لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قداسة، وما ترعاه له من حرمة، وأن الحقوق التي يمليها الدين لها عندها الاعتبار الأول، وقد قدم لنا أبو سفيان صورة للرجل الكبير، الذي تقوم كبرياؤه على الزيف، وتعتمد على الباطل، وتنحاز إلى حزب الشيطان، وتغتصب جاهها وسلطانها من الغوغاء والأوباش، ثم لا تلبث إذا ما جد الجد، وانتصر الحق على الباطل، أن يتضاءل حجمها، ويتهاوى كبرياؤها، وتبدو على حقيقتها أقل من لا شيء في العدد.

يمر به صديقه العباس بن عبد المطلب على نيران المسلمين، ليدخل في نفسه الرعب ويعلق هو على هذا المنظر المذهل فيقول: إنها كنيران عرفة، ويراه عمر فيقول: عدو الله أبو سفيان، الحمد لله الذي أمكن منه بغير عقد ولا عهد، ويهمّ بقتله، ويمنعه العباس قائلاً له: إنه في جواري، ويدخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ليعلن إسلامه، حقناً لدمه، وإبقاءً على نفسه، ويبتدره الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: أما آن لك أن تعلم أنه لا إله الله؟ فيقول بلى وأن محمداً رسول الله؟ فيقول: أما هذه ففي النفس منها شيء، فيعالجه صاحبه العباس بقوله: أشهد قبل أن تضرب عنقك، فيشهد، ويتجه العباس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: إن أبا سفيان يحب الفخر، فاجعل له ذكراً، ليظفر منه فيما بعد بتلك الكلمة (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن) وإلى أن تزول دولة الظلم وسلطان الباطل (إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81).

من فيض الرسالة · الصفحة ١٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ١٩٩