تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإلى هنا تكون عصابة الشرك، في مكة وغيرها، قد تهاوت أعلامها، وزالت دولتها ولم يعد في إمكانها أن تعامل محمداً - صلى الله عليه وسلم - بالأسلوب القديم، الذي كانت تعامله به، والذي كان يقوم على العنف والشدة والقسوة والغلظة وعدم المبالاة، ولكنها الآن تخطب وده، وتعمل جهدها كله، لتكتسب رضاه، وتقيم علاقاتها معه على المعاهدات المتكافئة، والعهود المرعية، فإذا شعرت أنها أخلت بشرط من الشروط، أو خرجت على نص من نصوص المعاهدة، بعثت كبيراً من ساستها، أو عظيماً من قوادها يرجوا محمداً صلى الله عليه وسلم أن يتغاضى عن هفوة المسيء، وحماقة المعتدي، ولقد رأينا كيف إنها مادت الأرض من تحت

أقدامها وتهددها الأخطار، وأحاط بها الهلع والفزع، لأن خيانتها قد تكشفت، وإمدادها لبني بكر بالسلاح والمال في اشتباكها مع بني خزاعة، قد عرف أو وصل أمره إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم تشأ أن تسكت على ذلك أو تصبر، وراحت ترسل قائدها لعناد النبي وحربه ليؤكد من جديد عهد الحديبية، فلما لم يجدها ذلك كله نقيرا ولا قطميرا، استسلمت للأمر الواقع، ودخل محمد - صلى الله عليه وسلم - عليها مكة، فلم تقاوم دخوله، أو تعترض طريقه، أو تشهر في وجهه سيفا، باستثناء تلك المناوشة البسيطة التي قوبلت بها كتيبة خالد بن الوليد، ولم يكن دخول جيش محمد وحده في هذا اليوم هو كل شيء، ولكن الذي كان هو كل شيء وأعظم من كل شيء.

أولاً: أن يطلب النبي - صلى الله عليه وسلم - سادن الكعبة عثمان بن طلحة ليأخذ منه مفتاح الكعبة ثم يدخلها دخول الظافر المنتصر.

ثانياً: تتحطم على مرأى ومسمع منهم تلك الأصنام، التي يؤلهونها ويعبدونها من دون الله، ولم يكن منهم إلا الرضا والاستسلام.

ثالثاً: أن يعلن إليهم أنه في موقف القوة الذي يسمح له بالعفو عنهم - والعفو عند المقدرة، فيقول: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

من فيض الرسالة · الصفحة ١٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فيض الرسالةص ١٩٧