"إذا أراد الله أمراً هيأ أسبابه، وأزال موانع، ه وقد كان عليه السلام يعلم أنه لا تذل العرب حتى تذل قريش، ولا تنقاد البلاد حتى تنقاد مكة، فكان يتشوق لفتحها، ولكن كان يمنع من ذلك العهود الذي أعطاها قريشاً في الحديبية - وهو سيد من وفَّى - ولكن إذا أراد الله أمراً هيأ أسبابه، وقد علمت أن خزاعة دخلت في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبكر دخلت في عهد قريش، وكان بين خزاعة وبكر دماء في الجاهلية كمنت نارها بظهور الإسلام، فلما حصلت الهدنة وقف رجل من بكر يتغنى بهجاء الرسول صلى الله عليه وسلم على مسمع من رجل خزاعي، فقام هذا الخزاعي وضربه، فحرك ذلك كامن الأحقاد، وتذكر بنو بكر ثأرهم فشدوا العزيمة لحرب خصومهم، واستعانوا بأوليائهم من قريش، فأعانوهم سراً بالعتاد والرجال، ثم توجهوا إلى خزاعة وهم آمنون فقتلوا منهم ما يربوا على العشرين، ولما رأى ذلك حلفاء الرسول - خزاعة - أرسلوا وفداً منهم برياسة عمرو بن سالم الخزاعي ليخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما فعل بهم بنو بكر وقريش، فلما حلوا بين يديه وأخبروه الخبر قال: "والله لأمنعنكم مما أمنع منه نفسي".
أما قريش فإنهم لما رأوا أن ما عملوها نقضٌ للعهود التي أخذت عليهم ندموا على ما فعلوا، وأرادوا مداواة هذا الجرح فأرسلوا قائدهم أبا سفيان بن حرب إلى المدينة ليشد العقد ويزيد في المدة، فركب راحتله وهو يظن أنه لم يسبقه أحد حتى إذا جاء المدينة نزل على ابنته أم المؤمنين حبيبة، وقد أراد أن يجلس على فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فطوته عنه، فقال يا بنية: أرغبت به عني أم رغبت لي عنه؟ فقالت: ما كان لك أن تجلس على فراش رسول الله وأنت مشرك نجس، فقال لها: لقد أصابك بعدي شر، ثم خرج من عندها وأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد فعرض عليه ما جاء له.