عشرة آلاف محارب قائدهم العام أبو سفيان، فلما بلغه عليه السلام أخبار هاته التجهيزات استشار أصحابه فيما يصنع أيمكث في المدينة أم يخرج للقاء هذا الجيش الجرار؟ فأشار عليه سلمان الفارسي بعمل الخندق وهو عمل لم تكن العرب تعرفه فأمر - عليه السلام - المسلمين بعمله وشرعوا في حفره شمالي المدينة من الحرة الشرقية إلى الحرة الغربية، وهذه هي الجهة التي كانت عورة تؤتى المدينة من قبلها، أما بقية حدودها فمشتبكة بالبيوت والنخيل لا يتمكن العدو من الحرب جهتها، وقد قاسي المسلمون صعوبات جسيمة في حفر الخندق لأنهم لم يكونوا في سعة من العيش حتى يتيسر لهم العمل، وعمل معهم عليه الصلاة والسلام.
ويقول الأستاذ أحمد إبراهيم الشريف في الإعداد الذي سبق غزوة الأحزاب هذه:
"اختمرت فكرة تأليب العرب على المسلمين في يثرب في نفوس اليهود من بني النضير الذين لجأوا إلى خيبر بعد إجلائهم عن المدينة، وأرادوا لها أن تكون محاولة نهائية، ومعركة حاسمة يخوضونها ضد محمد، وفي سبيل ذلك لم يدخروا جهداً من حيلة أو مكر أو مال، وتنفيذا لهذه الفكرة خرج نفر منهم من بينهم حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق وأخوه كنانة ومعهم جماعة من يهود خيبر حتى قدموا على قريش بمكة، وقد بدأوا بقريش لأنها التي تحمل لواء المعارضة، ولأنها القوة المعادية للمدينة، وهي التي بينها وبين المسلمين حرب معلنة لم تنته، لكن قريشاً كانت قد بدأت تمل الحرب وبدأت جبهتها الداخلية تتضعضع، وأخذ الحصار الاقتصادي يؤثر فيها تأثيرا كثيراً جعلها تفكر في إعادة النظر في موقفها تجاه هذه الدولة الجديدة التي نشأت في يثرب، وأخذت عليها طرق تجارتها وأثبتت حتى الآن أنها قادرة على الثبات والنمو، لذلك بدت مترددة غير واثقة، فليس بينها وبين محمد خلاف إلا على الدعوة التي يدعو بها، وليس بعيدا أن يكون على حق ما دامت كلمته تزداد كل يوم رفعة وسموا ...