أما " محمد " وأصحابه فإنهم لا يزالون في نشوة الظفر والنصر لم يدر بخلدهم شبح المعارك ولا معنى الكرة الأخرى التي تنتظرهم من وراء السحب والحجب، وفي الطريق إلى المدينة - وهم منصرفون من ميدان المعركة - كان الذي يعنيهم ويشغل تفكيرهم هو توزيع الغنائم وقسمة هذه الأسلاب التي أخذوها من عدوهم، ولم يكن هنالك مبدأ مقرر ولا تشريع متبع ولا عرف معمول به، وكان المسلمون في هذه الحرب طوائف ثلاث: جماعة المطاردة التي كانت تلاحق العدو وحده وهو لائذ بالفرار، وجماعة المقاتلين التي كانت تصارع الموت وتتلقى الضربات، والذين كانوا في حراسة الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يدهمه
العدو أو يلحق به السوء فأي هذه الطوائف، يأخذ الغنائم أو يظفر منها بنصيب الأسد؟
وصحح الله - سبحانه وتعالى - هذا الخلاف ونزل قوله جل جلاله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (1).
ليفهم المسلمون أن القصد الأول والأخير هو إعلاء صوت الحق وتمكين راية الإسلام ثم تبع ذلك فيما بعد البيان لتوزيعها على أربابها المستحقين لها: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41).