ولم يكن هناك بُد من أن يضرب محمد صلى الله عليه وسلم ضربته الأولى ليُزيح عن المدينة شبح الفوضى التي
تُهددها، والرعب الذي يُسيطر عليها، وحينئذٍ حاصر "بني قينقاع" خمسة عشر يوماً لا يخرجون من بيوتهم ولا يدخل إليهم أحدٌ في بيوتهم، وكان هذا الشلل الاقتصادي الذي نالهم والفزع الشديد الذي أصابهم داعياً إلى أن يظهر "عبد الله بن أُبيّ بن سلول" - رأس المنافقين - على شاشة المسرح ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم: "إنهم حُلفائي وأنا لا أُحبُ أن تؤذيني في حُلفائي".
وقد أعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم فلم يُصغ إليه ولم يأبه به إلا أن "عبادة بن الصامت" رجاه أن يُضيق الخرق على الراقع ويستجيب لرجاء "ابن أُبيّ" ليصبح هو المشركون الموالون لبني قينقاع مدينين لإحسانه ورحمته، وكان الرأي الذي انتهى إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - هو استئصال شأفتهم وإبادتهم جميعاً، إلا أن الرأي الذي استقر عليه بعد ذلك كان خروجهم من المدينة تاركين أموالهم وأقواتهم وديارهم، وكان هذا الخروج إلى "وادي القرى" ثم إلى "أذرعات" على حدود الشام، وبهذا الخروج أصبحت المدينة في مأمن من الفتن الداخلية والدسائس التي تحاك هنالك، وإن كان يهود بني النضير وبني قريظة على حدودها القريبة.
وكان طبيعياً بعد هذا الذي حل ببني قينقاع أن ينكمش غير المسلمين، وأن يُصيبهم الرُعب لكن "أبا سُفيان" جمع مائتي رجل وأغاروا في خارج المدينة على رجلين فقتلوهما، وحرقوا بعض البيوت والنخيل يقصدون بذلك إلى إشاعة الفزع في قلوب الناس، وقد ندب الرسول صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه ليلحقوا بهم فوجدوهم يلوذون بالفرار ويرمون في الطريق بما كان معهم من المتاع والطعام، وكان أكثر الطعام سويقاً لذلك سُميت هذه المطاردة بغزوة السويق، وبعد ذلك بقليل قُتل "كعب بن الأشرف" فكان ذلك نهاية إذلال اليهود.