ونحن نريد أن نحتكم مع هؤلاء المتنطعين إلى قوله عزوجل وقول رسوله ص وقول علماء السلف الذين فقهوا من هذا الدين غير ما يفقهه هؤلاء الجهلة ينصحه "لوجه الله أن لا يذهب للجهاد في أفغانستان", "لأنه قتال مع المشركين ضد الملحدين"!! أنا أنقل لكم كلام محمد بن عبد الوهاب وكلام ابن تيمية وكلام ابن القيم في هذا الموضوع ويتفق الجميع: أن عقيدة هؤلاء هي عقيدة أهل السنة والجماعة.
أما ابن تيمية فيقول وهو يجادل الجهمية الكفار: لو قلت بقولكم لكفرت ولكن لا أكفركم لأنكم جهال, كذلك قول ابن القيم وهو يتكلم عن الذين يستغيثون بالقبور قال: "ونحن لا نكفر هؤلاء لأنهم جهال", والإستغاثة بالقبور معروفة أنها من الشرك الأكبر.
والجهمية معروف أنهم خارجون عن الملة. وقد سأل الشيخ عبد المجيد الزنداني فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز وقرأ علي الإجابة, قال ما رأيك ببعض الناس الذين يستغيثون بالقبور مع جهل? قال: سئل محمد بن عبد الوهاب رحمه الله عن الذين يعبدون قبة الكواز في نجد فقال: لا نكفرهم لقلة من يعلمهم, لا نكفرهم لقلة من يعلمهم دينهم, وأما كل من له أدنى اطلاع على السنة المشرفة يعلم أن الجهل يعذر صاحبه في أمور العقيدة المخرجة من الملة, إن كان مما يخفى فقد ورد في البخاري: (أن رجلا قال لأهله عندما مات: لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا شديدا , فإذا مت فأحرقوني وذروني في الهواء) , انظر الحديث, الرجل لا يعتقد بقدرة الله, لا يعلم قدرة الله على تجميع جزئياته وذراته, وفي آخر الحديث غفر الله له بسبب خشيته له, والحديث الآخر الصحيح الذي يرويه صلة بن زفر عن حذيفة بن اليمان جاء في صحيح الجامع (7933) عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال ص: (يدرس الإسلام "أي يتآكل" كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة ويسري على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية, وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آبائنا على هذه الكلمة, يقولون: لا إله إلا الله فنحن نقولها, قال صلة بن زفر لحذيفة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة فأعرض عنه حذيفة, ثم ردها عليه ثلاثا , كل ذلك يعرض عنه حذيفة, ثم أقبل عليه حذيفة في الثالثة, فقال: يا صلة تنجيهم من النار, يا صلة تنجيهم من النار, يا صلة تنجيهم من النار) , قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي ورواه الضياء في المختارة وابن ماجة.
ونرجع إلى الشعب الأفغاني لنرى ما هو الشرك الذي يخرجهم من هذا الدين ..
ينصحه "لوجه الله" ألا يقف بجانبه, أما بالنسبة للإستغاثة بالقبور: فقد قلت ذات مرة لجلال الدين حقاني البطل -المعروف والقائد الذي يخوض غمار المعركة منذ ثلاثة عشر عاما متواصلة من أيام داوود- قلت له: يا شيخ جلال الدين, ألا تركزون على التوحيد, قال: أي توحيد تعني?! ألسنا موحدين? قلت: لماذا لا تركزون على التمائم والتعاويذ والإستغاثة بالقبور وعلى التوسل برسول الله ص, فقال: أن تقول اللهم اغفر لي بجاه رسول الله ص فلا أعلم أحدا في السابقين ولا اللاحقين يكفر بهذا, أو يجعل هذا حراما -أنا أضيف فقد أباحه الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة وارجع إن شئت إلى كتاب التوسل للألباني- أما الإستغاثة بالقبور فقد علم الله -وأقسم على هذا- أن عمري قد نيف على السابعة والأربعين, أني ما رأيت في حياتي أفغانيا يستغيث بصاحب قبر, وأما التعاويذ والتمائم فأنت تعلم أن بعض الذين ينتسبون إلى أهل العلم يتاجرون بهذا, فيأتي الجاهل إليهم ويطلب منهم تعويذة يظن أن فيها الآيات القرآنية والآحاديث النبوية ومن يقول من العلماء إن التعويذة وإن كانت من كتاب الله والسنة حرام? أنا أضيف كذلك لا أعلم قدر علمي واطلاعي, أن أحدا حرم هذا بل ينقل ابن حجر في فتح الباري في الجزء العاشر على أن الرقية جائزة بثلاث شروط: إن كانت بمأثور, وإن كانت معلومة المعنى, وإن كان صاحبها لا يعتقد أنها تضر بنفسها أو تنفع, والذي يحملها إنما يظن أن ما فيها من الكتاب والسنة هو الذي ينفع أو يضر.
يحدثني الدكتور عبد الرحمن قال: جاء عربي ومد يده بسرعة على تعويذة معلقة بكتف أفغاني وأراد نزعها بشدة, أمسك الأفغاني يده, قال: لماذا تنزع هذه? قال: لأن هذه شرك, قال: أنت مشرك لأن هذه فيها قرآن فالذي ينزع القرآن هو المشرك, هذا فهمهم, أن هذا قرآن وسنة وكم فتحنا من التعاويذ فوجدنا أن فيها: يا رحمن يا رحيم وآية الكرسي والمعوذات وغير ذلك, وإن كان غير ذلك في التعويذة أنا أقول: لم أعلم أحدا من العلماء في القديم والحديث حتى في شرح كتاب التوحيد نفسه لم أر من ينص على تحريم تعليق التعويذة, وأنتم تعلمون الحديث الحسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله ص يقول: (أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة) (9) [رواه البخاري بلفظ (أعيذ بكلمات الله ... )]. قال عبد الله: حديث حسن, إرجعوا إلى تخريج الكلم الطيب للأرناؤوط, يقول: فكنت أعلمها من عقل من بني وأكتبها في صك وأعلقها لمن لم يعقل من بني, مع أني والحمد لله نشأت منذ نعومة أظفاري أكره الصوفية وأمقتها وأبغض البدع وأحاربها.
وعلم الله أني أعددت رسالة الدكتوراة في القاهرة, ولشدة تمسكي بهذه التي أعتقدها حقا , ما زرت قبر الشافعي رحمه الله, مع أني أحس أحيانا أن هذا من الجفاء, ما زرت قبر الشافعي خوفا من أن يكون ذلك شد رحال لقبر من القبور, مع أن الشافعي في القاهرة وأنا في داخل القاهرة.
أقول أنا أكره هذه التعاويذ, والذي حضر معنا المخيمات التربوية التي كنا نعقدها للقادة الأفغان, يعلم كم كنا نجمع من التعاويذ في آخر المخيم, ففي مخيم جمعنا فيه حوالي (100) تعويذة وبالحسنى, نسألهم ما حكم بناء القبور عند الإمام أبي حنيفة ما حكم تعليق التعاويذ عند أبي حنيفة, ما حكم التوسل برسول الله ص عند أبي حنيفة, فعندما يعلمون أن أبا حنيفة يكره التوسل حتى بجاه رسول الله ص, ينفرون من هذا, وهذه العيادة التي أنتم بها تصلون, اسألوا كم يجمع يوميا من مرضى الأفغان الذين يصلون إلى مائتين في اليوم, يجمعها وهذا الجرار كما أظن مملوء بالتعاويذ دون إيذاء شعور, ودون استعمال الشدة والغلظة, في محاولة إيصال هذا المريض إلى حكم الله ورسوله ص, في مثل هذه القضايا, حتى في كتاب التوحيد يعلق على التعاويذ يقول الشارح: إنها مكروهة قد تؤدي إلى الحرام بسبب سد الذرائع, ليس بنفسها لأنه يتوصل بها إلى غيرها, إنها مكروهة تحريما تؤدي إلى الحرام بسبب سد الذرائع, هذا أقصى كلام رأيته أو أشد كلام رأيته في التعاويذ.
أما منهاجنا في العمل فهذا ما نتعرض له في الخطبة الثانية, أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فيا فوز المستغفرين, استغفروا الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله ثم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والآه.
منهاجنا في العمل:
عندما بدأنا أو شرعنا في إرسال الإخوة إلى داخل أفغانستان, كان في أذهاننا بعض الأمور, كان في أذهاننا إرواء ظمأ المتعطشين للشهادة في سبيل الله, وكان في نظرنا إيصال المساعدات إلى القابعين في خنادقهم منذ سنوات يأكلون الحشائش والأعشاب, وكذلك كان في ذهننا أن نأخذ فكرة واقعية عن الجهاد الأفغاني في أرضه, وبعد أن دخلنا وإذا بهذه الأسباب قد بدت ضئيلة صغيرة أمام ما حققه الإخوة في داخل أفغانستان, لقد حقق الإخوة في داخل أفغانستان أعمالا تفتحت لنا أثناء العمل, عرفنا وعلمنا على أن وجود العربي في داخل أفغانستان يرفع الهمم ويشحذ العزائم, ويعيد ضخ الدم إلى العروق التي بدأت تجف في الجسد الأفغاني, فلو كانت أعصاب الشعب الأفغاني حديدا لتحطمت وتدمرت, فما بالك بإنسان مضى عليه ثماني سنوات وقد هدم بيته وقتل ابنه وأسر والده ومزقت جثة زوجته وغابت أمه, ولم يبق له من الدنيا شيئا ومع ذلك لا يجد لقمة غذاء ولا خرقة كساء ولا دواء يداوي به الجرح الذي يجرح به في المعركة.