اعلموا أن الله قد أنزل في محكم التنزيل, بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خيرلكم إن كنتم تعلمون
(التوبة: 14)
روي أن سعيد بن المسيب قد خرج, وقد كبر في السن, وذهبت إحدى عينيه وهو مريض, وهو سيد التابعين في الأرض جميعا , قيل له: إنك عليل, فقال: استنهض الله الخفيف والثقيل, فإن لم يمكنني الحرب كثرت السواد- كثرت عدد المسلمين فنهيب الأعداء- وحفظت المتاع.
وقد رأى أحد التابعين المقداد بن الأسود- وقد فرط في سمنه- جالسا على تابوت باب أحد الصيارفة في حمص, وقد زاد عن التابوت- على كرسي من خشب- فقال له: ألا تقعد هذا العام عن الغزو? قال: أبت البحوث- رفضت سورة التوبة- أبت البحوث, كانوا يسمون سورة التوبة؛ سورة البحوث «لأنها بحثت عن صفات المنافقين, ورتبت درجات المجتمع; هذا يقوله صحابي, ويقوله تابعي بل سيد التابعين في الأرض أيام أن كان الجهاد فرض كفاية, لأن الجهاد في أيام التابعين كان فرض كفاية; لأنها كلها فتوحات جديدة, لم تكن حرمات المسلمات تنتهك, ولم تكن دماء الأطفال تسفك, ولم تكن أعراض المؤمنات في وهن الليل تنتهك, لم تكن المقدسات تداس, لم تكن الأموال تسلب, لم تكن أرض الإسلام كلها بل الدين كله في مهب الريح, وعرضة للإجتثاث من الجذور, كانت أرض الجزيرة آمنة, وكانت الجيوش الإسلامية منطلقة تثل عرش كسرى, وتحطم عرش قيصر, تفتح الأرض, والفتوحات كلها فروض كفاية.
أما يوم أن يتعرض جزء من أراضي الإسلام; ولو كان شبرا , ما اختلف اثنان من المسلمين في التاريخ أنه إذا اعتدي على شبر من أراضي المسلمين; أن القضية تحتاج إلى نقاش; أنه فرض كفاية أو فرض عين?!! ما رأيت أبدا في كتاب فقه ولا تفسير ولا حديث ولا أصول ولا فتوى إلا ونص على أنه إذا تعرضت بلاد الإسلام للإحتلال من الكفر يصبح الجهاد فرض كفاية.
أجمع كل من نعرف عنهم من الفقهاء والمفسرين والمحد ثين والأصوليين على أنه: إذا اعتدي على شبر من أراضي الإسلام أصبح الجهاد فرض عين على كل مسلم في تلك المنطقة, فإن قصروا أو تكاسلوا, أو لم يكفوا, أو قعدوا توسع فرض العين على شكل دائرة, توسع فرض العين على من يليهم, وثم .. وثم إلى أن يعم فرض العين الأرض كلها; تخرج المرأة بمحرم, ولكن دون إذن زوجها, والولد دون إذن والده, والعبد دون إذن سيده, والمدين دون إذن دائنه, فرضا لا يسعهم تركه كالصلاة والصوم.
هذه نصوص الفقهاء في كل كتاب ألف عن الجهاد منذ أن نزلت سورة التوبة إلى يومنا هذا; ما رأيت كتابا فقهيا إلا ونص على هذه القاعدة المجمع عليها.
وأرض الإسلام في كل مكان الآن تتناوشها الكلاب, وتنتهشها الذئاب. أعراض المسلمات ليست آمنة, أموال المسلمين ليست آمنة, دماؤهم معرضة للسفك صباح مساء, ومن ذا الذي يستطيع أن يخرق هذه القاعدة, وفي مثل هذه الظروف التي ما مر على الأمة الإسلامية ظرف أسوأ منه في التاريخ كله.
ما مر أبدا على المسلمين ظرف لا يستطيعون فيه أن يعبدوا ربهم في داخل بلادهم.
ما مر على المسلمين ظرف يستطيع فيه واحد- باسم الإسلام, وهو يتربع على صدور المسلمين- يعلن أنه: من أطلق لحيته يسجن!!
ما مر على المسلمين ظرف يصبح فيه الجلباب جريمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام!!.
ما مر على المسلمين ظرف- سوى أيام الحروب الصليبية- وقع فيها المسجد الأقصى في قبضة الكفر, وترفرف فوق ربى القدس نجمة داوود السداسية!.
ما مر على المسلمين ظرف يصبح الإلحاد يفرض فرضا على أبناء المسلمين, ويؤخذون إلى بلاد الشيوعية يعلمون الإلحاد والكفر بالله بمواد علمية تدرس ويجبرون أن ينجحوا فيها!!.
نصوص الفقهاء في فرض العين:
في مثل هذه الظروف نحن إن كنا لا نصدق الإجمال في هذه القاعدة, فلنا في نصوص الفقهاء جميعا خير منتجع, وأشفى دواء, وأفضل علاج, كل الفقهاء كما قلت ينصون على هذا.
هذا كتاب أل فته سميته (الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان) , وقد اعتمدت في العنوان على نص من نصوص شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: (والعدو الصائل- الصائل يعني الذي يسطو على المسلمين بقوة- والعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا ليس أوجب بعد الإيمان من دفعه) .. لا إله إلا الله محمد رسول الله, ثم بعدها دفع الكافر الذي يعتدي على المسلمين, وهذا في الفتاوى الكبرى, في المجلد الرابع.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (إذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب, إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة) ; اسمع أيها الحجازي والأردني والمصري والسوري: (إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة) , وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد, (ولا غريم) أي دائن, ونصوص الإمام أحمد صريحة بهذا, إرجع إلى الفتاوى الكبرى صفحة (806) المجلد الرابع.
يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى المجلد الثامن والعشرين صفحة (853): (فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجبا على المقصودين كلهم, وعلى غير المقصودين) إذا أراد العدو الهجوم, فكيف إذا دخل العقر والديار واحتل المسجد الأقصى واحتل بلاد الإسلام واحتل أرض عبد الرحمن بن سمرة, احتل كابل, واحتل أرض الإمام البخاري, واحتل أرض (بلخ) أرض العلماء.
(إذا أراد العدو الهجوم) , إذا أراد- أي لم يهجم بعد- إذا أراد, (فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجبا على المقصودين كلهم وعلى غير المقصودين, وكما قال تعالى:
وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر
(الأنفال: 27)
كما أمر النبي ص بنصر المسلم, وسواء كان الرجل من المرتزقة للقتال- أي جنديا في الحكومة- أو لم يكن, وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله, مع القلة والكثر. لو عشرة في أفغانستان يقاتلون يجب أن تنفر إليهم .. مع القلة والكثرة, والمشي والركوب; يوجب ابن تيمية: على الدمشقي وعلى العراقي وعلى الحجازي وعلى الفلسطيني وعلى السوري أن يمشي مشيا إلى أرض المعركة, من لم يكن معه ثمن تذكرة, يجب أن يأتي ماشيا ولو من أمريكا, مع القلة والكثرة, والمشي والركوب, كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق لم يأذن الله في تركه لأحد.
يقول القرطبي كذلك: (كل من علم بضعف المسلمين عن عدوهم, وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج إليهم).
وأما الأئمة الأربعة, وفقهاء المذاهب الأربعة, فاسمعوا قول الحنفية من خلال قول ابن عابدين في حاشيتة: وفرض عين- إن هجم العدو على ثغر من ثغور الإسلام- فيصير فرض عين على من قرب منه, فأما من وراءهم ببعد من العدو فهو فرض كفاية إذا لم يحتج إليهم, فإن احتيج إليهم بأن عجز من كان بقرب العدو عن المقاومة مع العدو, أو لم يعجزوا عنها, ولكنهم تكاسلوا, ولم يجاهدوا فإنه