تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12 - أَهْلُ الذِّمَّةِ : هُمْ غَيْرُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ النَّصَارَى , وَالْيَهُودِ , وَالْمَجُوس الَّذِينَ يُقِيمُونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بِمُوجَبِ عَقْدِ الذِّمَّةِ . وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إذَا انْتَقَلَ الذِّمِّيُّ بِتِجَارَتِهِ إلَى غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي أُقِرَّ عَلَى الْمُقَامِ فِيهِ : كَالشَّامِيِّ يَنْتَقِلُ إلَى مِصْرَ أَوْ الْعِرَاقِ أَوْ الْحِجَازِ . فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ عَلَى الذِّمِّيِّ إنْ اتَّجَرَ نِصْفُ الْعُشْرِ فِي تِجَارَتِهِ يُؤَدِّيهِ فِي الْعَامِ مَرَّةً , كَمَا يُؤَدِّي الْمُسْلِمُ زَكَاةَ تِجَارَتِهِ وَهِيَ رُبْعُ الْعُشْرِ فِي كُلِّ عَامٍ , فَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ سِيَّانِ إلَّا فِي مِقْدَارِ الْعُشْرِ , وَقَالُوا : إنَّ مَا يَدْفَعُهُ الذِّمِّيُّ هُوَ جِزْيَةُ فِي مَالِهِ , كَمَا يُسَمَّى خَرَاجُ أَرْضِهِ جِزْيَةً , فَالْجِزْيَةُ عِنْدَهُمْ أَنْوَاعٌ : جِزْيَةُ مَالٍ , وَجِزْيَةُ أَرْضٍ , وَجِزْيَةُ رَأْسٍ , وَلَا يَلْزَمُ مِنْ أَخْذِ بَعْضِهَا سُقُوطُ بَاقِيهَا إلَّا فِي بَنِي تَغْلِبَ . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّ الْعُشْرَ يُؤْخَذُ مِنْ الذِّمِّيِّينَ لِهَذَا الِانْتِقَالِ ; لِأَنَّهُمْ عُوهِدُوا عَلَى التِّجَارَةِ وَتَنْمِيَةِ أَمْوَالِهِمْ بِآفَاقِهِمْ الَّتِي اسْتَوْطَنُوهَا , فَإِذَا طَلَبُوا تَنْمِيَةَ أَمْوَالِهِمْ بِالتِّجَارَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ آفَاقِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ حَقُّ غَيْرِ الْجِزْيَةِ الَّتِي صُولِحُوا عَلَيْهَا , وَأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ نِصْفُ الْعُشْرِ فِي الطَّعَامِ الَّذِي يَجْلِبُونَهُ إلَى مَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ لِحَاجَةِ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِمَا إلَيْهِ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ سِوَى الْجِزْيَةِ إنْ اتَّجَرُوا فِيمَا سِوَى الْحِجَازِ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ إلَّا إذَا شَرَطَ الْإِمَامُ عَلَيْهِمْ مَعَ الْجِزْيَةِ شَيْئًا مِنْ تِجَارَتِهِمْ , فَإِنْ دَخَلُوا بِلَادَ الْحِجَازِ فَيَنْظُرُ إنْ كَانَ لِنَقْلِ طَعَامٍ أَوْ نَحْوِهِ يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَهْلُ الْحِجَازِ أَذِنَ لَهُمْ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَإِنْ كَانَ لِتِجَارَةٍ لَا حَاجَةَ بِأَهْلِ الْحِجَازِ إلَيْهَا كَالْعِطْرِ لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِمْ عِوَضًا بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ , وَكَانَ عُمَرُ رضي الله عنه يَشْتَرِطُ الْعُشْرَ فِي بَعْضِ الْأَمْتِعَةِ كَالْقَطِيفَةِ , وَنِصْفَ الْعُشْرِ فِي الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ عَلَى مَنْ دَخَلَ دَارَ الْحِجَازِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ . وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ : مَنْ يَجُزْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ , أُخِذَ مِنْهُ نِصْفُ الْعُشْرِ فِي السَّنَةِ .

( تَعْشِيرُ تِجَارَةِ الْمُسْلِمِينَ ) :

13 - يَرَى الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ عُرُوضِ تِجَارَةِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرَ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ فِيهَا , وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعُشْرِ الْمُقَرَّرِ عَلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْءٌ , لِحَدِيثِ : ﴿ إنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى , وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ ﴾ .

شُرُوطُ مَنْ يُفْرَضُ عَلَيْهِمْ الْعُشْرُ :

14 - اشْتَرَطَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لِأَخْذِ الْعُشْرِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا دَخَلُوا بِأَمَانٍ وَمِنْ الذِّمِّيِّينَ عِدَّةَ شُرُوطٍ وَهِيَ :

أ - ( الْبُلُوغُ ) : 15 - اشْتَرَطَ الْحَنِيفَةُ الْبُلُوغَ , وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ هَذَا الشَّرْطِ فَقَالُوا : يُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ كُلِّ تَاجِرٍ , صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا ; لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ , وَلَيْسَ هَذَا بِجِزْيَةٍ , وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ يَخْتَصُّ بِمَالِ التِّجَارَةِ , لِتَوَسُّعِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَانْتِفَاعِهِ بِالتِّجَارَةِ بِهَا , فَيَسْتَوِي فِيهِ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ . وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فَمُقْتَضَى إطْلَاقِ نُصُوصِهِمْ عَدَمُ اشْتِرَاطِ هَذَا الشَّرْطِ , فَالْعُشُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مَرْجِعُهَا إلَى الشَّرْطِ وَالِاتِّفَاقِ , فَإِذَا اشْتَرَطَ الْإِمَامُ أَخْذَهَا مِنْ التُّجَّارِ أُخِذَتْ مِنْهُمْ , وَلَوْ كَانَ مَالِكُهَا صَغِيرًا , وَعِلَّةُ أَخْذِ الْعُشُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الِانْتِفَاعُ بِبِلَادِ الْمُسْلِمِينَ , وَهِيَ مُتَحَقِّقَةٌ فِي أَمْوَالِ الصَّغِيرِ .

ب - ( الْعَقْلُ ) : 16 - اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ الْعَقْلَ لِوُجُوبِ الْعُشْرِ , فَلَا يُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ الْمَجْنُونِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ . وَمُقْتَضَى إطْلَاقِ نُصُوصِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ هَذَا الشَّرْطِ , فَيُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ مَالِ الْمَجْنُونِ الْمُعَدِّ لِلتِّجَارَةِ إذَا انْتَقَلَ بِهِ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ وَلَيْسَ بِالشَّخْصِ .

المفصل في شرح الشروط العمرية · الصفحة ٣١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح الشروط العمريةص ٣١٨