وأمّا البيرونيّ فيرى : أنّ هذه الفرقة الثّانية أصلها اليهود الّذين أسرهم بختنصّر ، وأجلاهم من أرض فلسطين إلى بابل من أرض العراق ، فلمّا أذن لهم كورش بالعودة إلى فلسطين تخلّف بالعراق منهم طائفة وآثروا الإقامة في بابل ، ولم يكونوا في دينهم بمكان معتمد ، فسمعوا أقاويل المجوس وصبوا إلى بعضها ، فامتزج مذهبهم من المجوسيّة واليهوديّة . قال : وهؤلاء هم الصّابئون بالحقيقة ، وإن كان الاسم أشهر بالفرقة الأولى ، وكذا ميّز بين الفرقتين الرّمليّ من الشّافعيّة ، وابن تيميّة من الحنابلة ، وابن القيّم ، وقال ابن الهمام : قيل في الصّابئة الطّائفتان ، وهذه الفرقة الثّانية الّتي قال البعض إنّهم من النّصارى يسمّون « المندائيّين » ومنهم الآن بقايا في جنوب العراق ، وقد صدرت عنهم دراسات حديثة كشفت بعض ما عندهم ، ومنها ما كتبه بعض كتّابهم ، وبعض من يعايشهم من المسلمين ، وترجمت بعض كتاباتهم الدّينيّة إلى اللّغة العربيّة ، وفيها : أنّهم يؤمنون باللّه واليوم الآخر ، وبالملائكة ، وببعض الأنبياء ، منهم : آدم ، وشيث ، ونوح ، وزكريّا ، ويحيى - عليهم السلام - ولا يؤمنون بموسى ، ولا بالمسيح ، ولا التّوراة ، ولا الإنجيل ، ويؤمنون بالتّعميد . ولهم عبادات يعبدون اللّه بها : من صلوات ، وزكاة ، وصوم ، وأعياد دينيّة ، ويغتسلون كلّ يوم مرّتين ، أو ثلاثاً ، ولذلك قد يسمّون المغتسلة ، ويسمّون اللّه على الذّبائح .
وأضاف ابن تيميّة فرقةً ثالثةً ، كانت قبل التّوراة والإنجيل ، كانوا موحّدين ، قال : فهؤلاء هم الّذين أثنى اللّه تعالى عليهم بقوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ» قال : فهؤلاء كالمتّبعين لملّة إبراهيم - عليه السلام - إمام الحنفاء قبل نزول التّوراة والإنجيل ، هم الّذين أثنى عليهم اللّه تعالى .
على أنّ هذا التّقسيم للصّابئة إلى فرقتين ، ودعوى أنّ الحرّانيّين المشركين لم يكونوا يتسمّون الصّابئة حتّى كان عهد المأمون ، دعوى هي موضوع شكّ - وإن درج عليها بعض المؤرّخين وبعض الفقهاء - فإنّ كتب الحنفيّة ، تنسب إلى أبي حنيفة : أنّ الصّابئة الّذين يعظّمون الكواكب السّبعة ليسوا مشركين ، بل هم أهل الكتاب ، لأنّهم لا يعبدون تلك الكواكب ، بل يعظّمونها كتعظيم المسلمين الكعبة ، وأنّ صاحبيه قالا : بل هم كعبّاد الأوثان وأبو حنيفة كان قبل المأمون فإنّه توفّي سنة 150 والمأمون سنة 218 هـ . وكلامه وكلام صاحبيه منصبّ على الحرّانيّين ، فإنّهم هم الّذين كانوا يعبدون الكواكب السّبعة ، ممّا يدلّ على أنّهم كانوا في زمانه مسمّين باسم الصّابئة . ونصوص المؤرّخين مضطربة ، بعضها يدلّ على أنّهم فرقتان ، وبعضها على أنّهم فرقة واحدة .
الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالصَّابِئَةِ (1):
6 - يَنْطَبِقُ عَلَى الصَّابِئَةِ الْأَحْكَامُ الَّتِي تَنْطَبِقُ عَلَى الْكُفَّارِ عَامَّةً : كَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الصَّابِئِ لِلْمُسْلِمَةِ , وَكَعَدِمِ صِحَّةِ الْعِبَادَةِ مِنْهُمْ , وَعَدَمِ إقَامَتِهِمْ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ . وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الَّتِي تَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْكِتَابِ : كَجَوَازِ عَقْدِ الذِّمَّةِ لَهُمْ , وَأَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُسْلِمُ مِنْ نِسَائِهِمْ , وَأَنْ يَأْكُلَ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ , فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إجْرَائِهَا عَلَيْهِمْ تَبَعًا لِاخْتِلَافِهِمْ فِي حَقِيقَةِ دِينِهِمْ , فَمَنْ اعْتَبَرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ , أَوْ لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ : أَجْرَى عَلَيْهِمْ الْأَحْكَامَ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالْكِتَابِيِّ , أَوْ مَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ . وَمَنْ اعْتَبَرَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ , وَلَيْسَ لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ : أَجْرَى عَلَيْهِمْ الْأَحْكَامَ الَّتِي تَنْطَبِقُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ . وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي الْمُصْطَلَحَاتِ : ( أَهْلُ الْكِتَابِ , أَرْضُ الْعَرَبِ , جِزْيَةٌ ) .
إقْرَارُ الصَّابِئَةِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ :
(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 9389)