تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

45 - عَامِلُ الْخَرَاجِ قَدْ يَكُونُ مُخْتَصًّا بِتَقْدِيرِ الْخَرَاجِ وَوَضْعِهِ , وَقَدْ يَكُونُ مُخْتَصًّا بِجِبَايَتِهِ وَنَقْلِهِ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ إلَى بَيْتِ الْمَالِ . فَإِذَا كَانَ مُخْتَصًّا بِوَضْعِ الْخَرَاجِ وَتَقْدِيرِهِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِسْلَامُ ; لِأَنَّ هَذَا الْعَمَلَ وِلَايَةٌ شَرْعِيَّةٌ , وَيَحْتَاجُ إلَى الْأَمَانَةِ . وَلِذَا فَلَا يُوَلَّى الذِّمِّيُّ تَقْدِيرَ الْخَرَاجِ , وَوَضْعِهِ , عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ . قَالَ أَبُو طَالِبٍ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - يُسْتَعْمَلُ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ فِي أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلِ الْخَرَاجِ ؟ قَالَ : لَا يُسْتَعَانُ بِهِمْ فِي شَيْءٍ . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ , قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الْآيَاتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يَتَّخِذُوا مِنْ الْكُفَّارِ , وَالْيَهُودِ , وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ دُخَلَاءَ , وَوُلَجَاءَ , يُفَاوِضُونَهُمْ فِي الْآرَاءِ , وَيَسْنُدُونَ إلَيْهِمْ أُمُورَهُمْ . وَقَالَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ : فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِعَانَةُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ . وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ : قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه : إنَّ هَاهُنَا غُلَامًا مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ نَصْرَانِيًّا كَاتِبًا , فَلَوْ اتَّخَذْته كَاتِبًا , فَقَالَ : قَدْ اتَّخَذْت إذًا بِطَانَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ . عَقَّبَ ابْنُ كَثِيرٍ عَلَى هَذَا الْأَثَرِ بِقَوْلِهِ : فَفِي هَذَا الْأَثَرِ مَعَ هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُمْ فِي الْكِتَابَةِ الَّتِي فِيهَا اسْتِطَالَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ , وَاطِّلَاعٌ عَلَى دَوَاخِلِ أُمُورِهِمْ الَّتِي يُخْشَى أَنْ يُفْشُوهَا إلَى الْأَعْدَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ , وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ﴿ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا ﴾ . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : ﴿ لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ ﴾ أَيْ لَا تَسْتَنْصِحُوهُمْ , وَلَا تَسْتَضِيئُوا بِرَأْيِهِمْ . وَرُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ أَرْسَلَ إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ رضي الله عنه خِطَابًا جَاءَ فِيهِ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , فَإِنَّ فِي عَمَلِي كَاتِبًا نَصْرَانِيًّا لَا يَتِمُّ أَمْرُ الْخَرَاجِ إلَّا بِهِ فَكَرِهْت أَنْ أُقَلِّدَهُ دُونَ أَمْرِك . فَكَتَبَ إلَيْهِ عَافَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ , قَرَأْت كِتَابَك فِي أَمْرِ النَّصْرَانِيِّ , أَمَّا بَعْدُ , فَإِنَّ النَّصْرَانِيَّ قَدْ مَاتَ وَالسَّلَامُ . وَقَدْ سَارَ الْخُلَفَاءُ الَّذِينَ لَهُمْ ثَنَاءٌ حَسَنٌ فِي الْأُمَّةِ عَلَى نَهْجِ عُمَرَ رضي الله عنه فِي اسْتِبْعَادِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَنْ الْوَظَائِفِ الَّتِي فِيهَا اطِّلَاعٌ عَلَى دَوَاخِلِ الْمُسْلِمِينَ . فَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى أَحَدِ عُمَّالِهِ : أَمَّا بَعْدُ , فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ فِي عَمَلِك كَاتِبًا نَصْرَانِيًّا يَتَصَرَّفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ فَإِذَا أَتَاك كِتَابِي هَذَا فَادْعُ حَسَّانًا - يَعْنِي ذَلِكَ الْكَاتِبَ - إلَى الْإِسْلَامِ , فَإِنْ أَسْلَمَ فَهُوَ مِنَّا , وَنَحْنُ مِنْهُ , وَإِنْ أَبَى فَلَا تَسْتَعِنْ بِهِ , وَلَا تَتَّخِذْ أَحَدًا عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ . فَأَسْلَمَ حَسَّانٌ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ . وَلِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ مُتَوَلِّي هَذَا الْعَمَلِ الْأَمَانَةُ وَالنُّصْحُ لِلْمُسْلِمِينَ , وَالْحِرْصُ عَلَى مَصَالِحِهِمْ . وَهَذِهِ الشُّرُوطُ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ فِي الْمُشْرِكِينَ , وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صِفَاتِهِمْ فَهُمْ لَا يُحِبُّونَ الْخَيْرَ لِلْمُسْلِمِينَ , وَيَغُشُّونَ , وَلَا يَنْصَحُونَ , قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ : ﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى : ﴿ إنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾ . وَلِهَذَا وَلِغَيْرِهِ مَنَعَ الْفُقَهَاءُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ الذِّمِّيُّ فِي عَمَلٍ يَخْتَصُّ بِوَضْعِ

المفصل في شرح الشروط العمرية · الصفحة ٢٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح الشروط العمريةص ٢٧٨