تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

32 - قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ : إذَا قَدَرَ عَلَى الْعَدُوِّ فَلَا يَجُوزُ تَحْرِيقُهُ بِالنَّارِ بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : ﴿ بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْثٍ فَقَالَ : إنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ : إنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا , وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إلَّا اللَّهُ , فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا ﴾ . فَأَمَّا رَمْيُهُمْ قَبْلَ أَخْذِهِمْ بِالنَّارِ , فَإِنْ أَمْكَنَ أَخْذُهُمْ بِدُونِهَا لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ بِهَا ; لِأَنَّهُمْ فِي مَعْنَى الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ , وَأَمَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُمْ بِغَيْرِهَا فَجَائِزٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ , وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ , وَالْأَوْزَاعِيُّ , وَالْحَنَابِلَةُ , وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ تَغْرِيقُ الْعَدُوِّ بِالْمَاءِ , إذَا قَدَرَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِهِ .

33 - وَأَمَّا حِصَارُ الْقِلَاعِ : فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ : يَجُوزُ حِصَارُ الْكُفَّارِ فِي الْبِلَادِ وَالْقِلَاعِ , وَإِرْسَالُ الْمَاءِ عَلَيْهِمْ , وَقَطْعُهُ عَنْهُمْ , وَرَمْيُهُمْ بِنَارٍ وَمَنْجَنِيقٍ وَغَيْرِهِمَا ; لقوله تعالى : ﴿ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ ﴾ ﴿ وَلِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم حَاصَرَ أَهْلَ الطَّائِفِ , وَرَمَاهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ ﴾ . وَقِيسَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يَعُمُّ بِهِ الْهَلَاكُ , وَوَافَقَ أَحْمَدُ الْحَنَفِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ فِي جَوَازِ رَمْيِهِمْ بِالْمَنْجَنِيقِ مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا , وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ . وَفَصَّلَ الْمَالِكِيَّةُ الْقَوْلَ فَقَالُوا : يُقَاتِلُ الْعَدُوَّ بِالْحِصْنِ بِغَيْرِ تَحْرِيقٍ وَتَغْرِيقٍ إذَا كَانُوا مَعَ مُسْلِمِينَ , أَوْ ذُرِّيَّةٍ أَوْ نِسَاءٍ , وَلَمْ يَخَفْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ , وَيُرْمَوْنَ بِالْمَنْجَنِيقِ , وَلَوْ مَعَ ذُرِّيَّةٍ , أَوْ نِسَاءٍ , أَوْ مُسْلِمِينَ . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ الْغَرَقِ لَمْ يَجُزْ إذَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ إتْلَافُ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ الَّذِينَ يَحْرُمُ إتْلَافُهُمْ قَصْدًا , وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ إلَّا بِهِ جَازَ . وَإِذَا حَاصَرَ الْإِمَامُ حِصْنًا لَزِمَتْهُ مُصَابَرَتُهُ , وَلَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ إلَّا فِي إحْدَى الْحَالَاتِ الْآتِيَةِ :

1 - أَنْ يُسَلِّمُوا فَيُحْرِزُوا بِالْإِسْلَامِ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ﴿ أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ , فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا ﴾ .

2 - أَنْ يَبْذُلُوا مَالًا عَلَى الْمُوَادَعَةِ , فَيَجُوزُ قَبُولُهُ مِنْهُمْ , سَوَاءٌ أَعْطُوهُ جُمْلَةً , أَوْ جَعَلُوهُ خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ كُلَّ عَامٍ , فَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ فَبَذَلُوهَا لَزِمَهُ قَبُولُهَا ; لقوله تعالى : ﴿ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ . وَإِنْ بَذَلُوا مَالًا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْجِزْيَةِ فَرَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي قَبُولِهِ قَبِلَهُ , وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ إذَا لَمْ يَرَ الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ .

3 - أَنْ يَفْتَحَهُ .

4 - أَنْ يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِي الِانْصِرَافِ عَنْهُ , إمَّا لِضَرَرِ الْإِقَامَةِ , وَإِمَّا لِلْيَأْسِ مِنْهُ , وَإِمَّا لِمَصْلَحَةٍ يَنْتَهِزُهَا , تَفُوتُ بِإِقَامَتِهِ , فَيَنْصَرِفُ عَنْهُ ; لِمَا رُوِيَ أَنَّ ﴿ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَاصَرَ أَهْلَ الطَّائِفِ فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا , فَقَالَ : إنَّا قَافِلُونَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى غَدًا . . . ﴾ .

المفصل في شرح الشروط العمرية · الصفحة ٢٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح الشروط العمريةص ٢٦٥