32 - أ - إذَا كَانَ الْمُلْتَزَمُ بِهِ تَمْلِيكًا لِلْعَيْنِ أَوْ لِلدَّيْنِ , فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لِلْمَالِكِ حَقُّ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِكُلِّ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفِ مِنْ بَيْعٍ وَهِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ وَعِتْقٍ وَأَكْلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ , لِأَنَّهُ أَصْبَحَ مِلْكَهُ , فَلَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِيهِ . وَهَذَا إذَا كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ بِلَا خِلَافٍ , أَمَّا قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ يَخْتَلِفُونَ فِيمَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَمَا لَا يَجُوزُ . وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ , وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ التَّصَرُّفُ فِي الْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ قَبْلَ قَبْضِهَا . إلَّا الْعَقَارَ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ . وَدَلِيلُ مَنْعِ التَّصَرُّفِ قَبْلَ الْقَبْضِ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ : ﴿ لَا تَبِعْ مَا لَمْ تَقْبِضْهُ ﴾ وَلِأَنَّ فِيهِ غَرَرَ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ عَلَى اعْتِبَارِ الْهَلَاكِ . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ , وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ : أَنَّهُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ قَبْلَ الْقَبْضِ إلَّا فِي الطَّعَامِ , فَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ , لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : ﴿ مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ ﴾ وَأَمَّا الدُّيُونُ : فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا قَبْلَ الْقَبْضِ إلَّا فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ : أَمَّا الصَّرْفُ فَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ بَدَلَيْ الصَّرْفِ مَبِيعٌ مِنْ وَجْهٍ وَثَمَنٌ مِنْ وَجْهٍ . فَمِنْ حَيْثُ هُوَ ثَمَنٌ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ , وَمِنْ حَيْثُ هُوَ مَبِيعٌ لَا يَجُوزُ , فَغَلَبَ جَانِبُ الْحُرْمَةِ احْتِيَاطًا . وَأَمَّا السَّلَمُ فَلِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَبِيعٌ بِالنَّصِّ , وَالِاسْتِبْدَالُ بِالْمَبِيعِ الْمَنْقُولِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ . وَكَذَلِكَ يَجُوزُ تَصَرُّفُ الْمُقْرِضِ فِي الْقَرْضِ قَبْلَ الْقَبْضِ عِنْدَهُمْ , وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الدُّيُونِ قَبْلَ الْقَبْضِ فِيمَا سِوَى الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ , فَإِنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا مَنَعَ بَيْعَ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ فِي مَوْضِعَيْنِ : أَحَدُهُمَا : إذَا كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ طَعَامًا , وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ فِي أَنَّ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ بَيْعِهِ الْقَبْضُ هُوَ الطَّعَامُ , عَلَى مَا جَاءَ عَلَيْهِ النَّصُّ فِي الْحَدِيثِ . وَالثَّانِي : إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُسْلَمُ فِيهِ طَعَامًا فَأَخَذَ عِوَضَهُ الْمُسْلِمُ ( صَاحِبُ الثَّمَنِ ) مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِيهِ رَأْسَ مَالِهِ , مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ عَرَضًا وَالثَّمَنُ عَرَضًا مُخَالِفًا لَهُ , فَيَأْخُذَ الْمُسْلِمُ مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ إذَا حَانَ الْأَجَلُ شَيْئًا مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ الْعَرْضِ الَّذِي هُوَ الثَّمَنُ , وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا يَدْخُلُهُ إمَّا سَلَفٌ وَزِيَادَةٌ , إنْ كَانَ الْعَرَضُ الْمَأْخُوذُ أَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ , وَإِمَّا ضَمَانٌ وَسَلَفٌ إنْ كَانَ مِثْلَهُ أَوْ أَقَلَّ . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إنْ كَانَ الْمِلْكُ عَلَى الدُّيُونِ مُسْتَقِرًّا , كَغَرَامَةِ الْمُتْلَفِ وَبَدَلِ الْقَرْضِ جَازَ بَيْعُهُ مِمَّنْ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ , لِأَنَّ مِلْكَهُ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْهِ , وَهُوَ الْأَظْهَرُ فِي بَيْعِهِ مِنْ غَيْرِهِ . وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ فَإِنْ كَانَ مُسْلَمًا فِيهِ لَمْ يَجُزْ , وَإِنْ كَانَ ثَمَنًا فِي بَيْعٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ : كُلُّ عِوَضٍ مُلِكَ بِعَقْدٍ يَنْفَسِخُ بِهَلَاكِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَجُزْ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ , كَالْأُجْرَةِ وَبَدَلِ الصُّلْحِ إذَا كَانَا مِنْ الْمَكِيلِ أَوْ الْمَوْزُونِ أَوْ الْمَعْدُودِ , وَمَا لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِهَلَاكِهِ جَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ , كَعِوَضِ الْخُلْعِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَقِيمَةِ الْمُتْلَفِ . أَمَّا مَا يَثْبُتُ فِيهِ الْمِلْكُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ , كَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ , فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي الْجُمْلَةِ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ .
المفصل في شرح الشروط العمرية · الصفحة ١٧٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المفصل في شرح الشروط العمريةص ١٧٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي