تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3 - ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّتُهُ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ , أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾ . كَمَا اسْتَدَلَّ لَهُ بِعَمَلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَخُلَفَائِهِ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ بَعْدِهِ , فَقَدْ وَرَدَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي اسْتِسْقَائِهِ صلى الله عليه وسلم . رَوَى أَنَسٌ رضي الله عنه : ﴿ أَنَّ النَّاسَ قَدْ قَحَطُوا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ . فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْمَوَاشِي , وَخَشِينَا الْهَلَاكَ عَلَى أَنْفُسِنَا , فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا . فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا هَنِيئًا مَرِيئًا غَدَقًا مُغْدِقًا عَاجِلًا غَيْرَ رَائِثٍ . قَالَ الرَّاوِي : مَا كَانَ فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ , فَارْتَفَعَتْ السَّحَابُ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَا حَتَّى صَارَتْ رُكَامًا , ثُمَّ مَطَرَتْ سَبْعًا مِنْ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ . ثُمَّ دَخَلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ , وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ , وَالسَّمَاءُ تَسْكُبُ , فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَ الْبُنْيَانُ , وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ , فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُمْسِكَهُ , فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِمَلَالَةِ بَنِي آدَمَ . قَالَ الرَّاوِي : وَاَللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ خَضْرَاءَ . ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ , فَقَالَ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا , اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ , وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ , وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ . فَانْجَابَتْ السَّمَاءُ عَنْ الْمَدِينَةِ حَتَّى صَارَتْ حَوْلَهَا كَالْإِكْلِيلِ ﴾ . وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَجَعَلَهُ أَصْلًا , وَقَالَ : إنَّ السُّنَّةَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ هِيَ الدُّعَاءُ فَقَطْ , مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ وَلَا خُرُوجٍ . وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : ﴿ شَكَا النَّاسُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قُحُوطَ الْمَطَرِ , فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى , وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ , قَالَتْ عَائِشَةُ : فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ , فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ , فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ قَالَ : إنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ , وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ , وَقَدْ أَمَرَكُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَدْعُوَهُ , وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ . ثُمَّ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ , الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ , مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ , لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ , اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ , أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ , أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ , وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْت لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إلَى حِينٍ . ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ فِي الرَّفْعِ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إبِطَيْهِ , ثُمَّ حَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ , وَقَلَبَ أَوْ حَوَّلَ رِدَاءَهُ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ , ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ , وَنَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ , فَأَنْشَأَ اللَّهُ سَحَابَةً فَرَعَدَتْ وَبَرَقَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى , فَلَمْ يَأْتِ مَسْجِدَهُ حَتَّى سَالَتْ السُّيُولُ , فَلَمَّا رَأَى سُرْعَتَهُمْ إلَى الْكُنِّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِزُهُ فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ , وَأَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ﴾ . وَقَدْ اسْتَسْقَى عُمَرُ رضي الله عنه بِالْعَبَّاسِ , وَقَالَ : اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا قَحَطْنَا تَوَسَّلْنَا إلَيْك بِنَبِيِّك فَتَسْقِينَا , وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ بِعَمِّ نَبِيِّك فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ . وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ اسْتَسْقَى بِيَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ . فَقَالَ : اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَسْقِي بِخَيْرِنَا وَأَفْضَلِنَا , اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَسْقِي بِيَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ , يَا يَزِيدُ ارْفَعْ يَدَيْك إلَى اللَّهِ تَعَالَى " فَرَفَعَ يَدَيْهِ , وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ . فَثَارَتْ سَحَابَةٌ مِنْ الْغَرْبِ كَأَنَّهَا تُرْسٌ , وَهَبَّ لَهَا رِيحٌ , فَسُقُوا حَتَّى كَادَ النَّاسُ أَلَّا يَبْلُغُوا مَنَازِلَهُمْ .

حِكْمَةُ الْمَشْرُوعِيَّةِ

المفصل في شرح الشروط العمرية · الصفحة ١٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح الشروط العمريةص ١٦٥