تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لن يكون الجواب محل خلاف بل هو محل اتفاق بين الجميع، إنهم يصنعون في المساجد، والمساجد وحدها هي الأقدر على صنع الرجال، فأين صنع أبو بكر، وأين صنع عمر، وأين صنع عثمان، وأين صنع على، وآلاف الأصحاب صنعهم المسجد.

نعم، كلهم تخرجوا من المساجد، وعليها كانوا يترددون خمس مرات في كل يوم وليلة، فتزداد صلتهم بربهم، وتقوى همتهم لعمل الخير.

المسجد والشباب:

المسجد لجميع المسلمين في مختلف الأعمار، يجد فيه الصغير بغيته، ويجد فيه الكبير حاجته، ومسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يؤمه الكبير والصغير، والشيخ والشاب، أمّه أبو بكر (الشيخ) كما أمه أسامة (الشاب)، وما زال يتربى أسامة في المسجد حتى قاد جيشاً فيه أبو بكر، وأمّه عمر وكان بجواره ابنه عبد الله بن عمر، وشباب المسلمين الذين كانوا قادة عظاماً تربوا في المسجد من أمثال عليٍّ ومعاذ وابن عباس، ولقد كان يخصهم رسول الله بالحديث، ومما يحفظ عنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) (4).

كان يحثهم - صلى الله عليه وسلم - على استغلال فترة الشباب، ويبين لهم أنهم عنها سيسألون، فعن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم؟) (5).

وفي المسجد كان الشباب يقيمون الليل يتدارسون القرآن ويصلون، وفي النهار يحتطبون حتى إذا دعا داع الجهاد لبوا، فعن أنس بن مالك قال: (كان شباب من الأنصار سبعين رجلاً يقال لهم "القراء" قال: كانوا يكونون في المسجد، فإذا أمسوا انتحوا ناحية من المدينة فيتدارسون ويصلون، يحسب أهلوهم أنهم في المسجد، ويحسب أهل المسجد أنهم في أهليهم، حتى إذا كانوا في وجه الصبح استعذبوا من الماء، واحتطبوا من الحطب، فجاءوا به، فأسندوه إلى حجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبعثهم النبي - صلى الله عليه وسلم - جميعاً فأصيبوا يوم بئر معونة، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - على قتلتهم خمسة عشر يوماً في صلاة الغداة) (6).

وما أحوجنا في أيامنا هذه أن نفتح مساجدنا أمام شبابنا فنربيهم كما تربى الجيل الأول على مبادئ الإسلام، وتعاليم القرآن، ونشغل فراغهم في الخير، ونطوع جهودهم لخدمة الإسلام والمسلمين، إن الشباب طاقة خلاقة إن لم تستغل في الخير استغلها الشيطان في الشر، وإن الفراغ الذي يحياه

الجامع في الرسائل الدعوية · الصفحة ٧٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الجامع في الرسائل الدعويةص ٧٩٢