وما أن وصل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة المنورة إلا وبدأ هو وأصحابه الكرام في بناء المسجد النبوي الشريف، ولأهمية إقامة المسجد لم ينتظر - صلى الله عليه وسلم - حتى يستريح بل بدأ به مباشرة، وحث أصحابه على البناء، وأخذ يحمل بنفسه مواد البناء حتى شيد مسجده الشريف من الطوب اللبن، ثم سقفه بسعف النخل، لم يكن يهتم - صلى الله عليه وسلم - بفرشه إذ لم تكن الحالة تساعد على فرشه بالفرش الفاخرة، ولم يهتم لبنائه بأعمدة الرخام، كلا لم يكن هذا هو المقصود أبداً إنما المقصود: المعنى الذي يقوم به المسجد بغض النظر عن مكوناته.
وفي هذا المسجد المتواضع ربَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه، فخرج منهم الخلفاء، والأمراء، والقادة؛ الذين ملأوا الدنيا عدلاً بعد أن كانت قد ملئت ظلماً، ونشروا النور بعد أن عم الظلام.
وما كان المسجد في فجر الإسلام إلا:
- جامعة شعبية للتثقيف والتهذيب، يلتقي فيه كل أبناء الشعب بجميع فئاتهم وطبقاتهم من غير رسم أو قيد، يأتونه صيفاً وشتاءً، ليلاً ونهاراً، فعلى الإمام أن يجعل من مسجده جامعة يعلم فيها العقائد والأخلاق، وفرائض العبادات، ومحاسن الآداب، وطرائق المعاملات.
ولو التزم كل إمام بالجدول الذي يعلق في لوحة الإعلانات بمسجده، وأعد دروسه إعداداً جيداً، وأداه على الوجه الذي يرضى الله - سبحانه وتعالى- لأصبحت مساجدنا فعلاً جامعات تعليمية على مستوى عال جداً.
- وبرلماناً محلياً للتشاور والتفاهم، يلتقي فيه المسلمون فيتعارفون ولا يتناكرون، ويتحابون فلا يتباغضون.
ولقد حث النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلمين على عقد أنكحتهم في المساجد إحياء لهذا المعنى، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدف) (3).
وهنا يبرز دور الإمام الذي يجب عليه أن يستغل المناسبة، فيُعلِّم الحاضرين آداب الزفاف، ونظام الإسلام في الزواج ... وهكذا.
- ومعهداً للتربية العلمية والعملية؛ لأن المسجد هو المكان الوحيد الذي تتاح فيه التربية على المبادئ الكبرى كالحرية، والإخاء ... وهى شعارات ترفعها أنظمة كثيرة لكنها في المسجد يربى عليها المسلمون عملياً.
- فالإمام في الصلاة ليس معصوماً، وإن أخطأ صوب له المأموم خطأه.
- والإمام على المنبر ليس معصوماً، فإن أخطأ صوب له المأموم خطأه، ولقد صوبت امرأة خطأ عمر.