48.11-14
شرح الكلمات:
المخلفون من الأعراب: أي الذين حول المدينة وقد خلفهم الله عن صحبتك لما طلبتهم ليخرجوا معك إلى مكة خوفا من تعرض قريش لك عام الحديبية وهم غفار ومزينة وجهينة وأشجع.
شغلتنا أموالنا وأهلونا: أي عن الخروج معك.
فاستغفر لنا: أي الله من ترك الخروج معك.
يقولون بألسنتهم: أي كل ما قالوه هو من ألسنتهم وليس في قلوبهم منه شيء.
قل فمن يملك لكم من الله شيئا: أي لا أحد لأن الاستفهام هنا للنفي.
إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا: وبخهم على تركهم صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفا من قريش.
بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون: أي حسبتم أن قريشا تقتل الرسول والمؤمنين فلم يرجع منهم أحد إلى المدينة.
وظننتم ظن السوء: هو هذا الظن الذي زينه الشيطان في قلوبهم.
وكنتم قوما بورا: أي هالكين عند الله بهذا الظن السيء، وواحد بور بائر. هالك.
فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا: أي نارا شديدة الاستعار والالتهاب.
يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء: يغفر لمن يشاء وهو عبد تاب وطلب المغفرة بنفسه، ويعذب من يشاء وهو عبد ظن السوء وقال غير ما يعتقد وأصر على ذلك الكفر والنفاق.
وكان الله غفورا رحيما: كان وما زال متصفا بالمغفرة والرحمة فمن تاب غفر الله له ورحمه.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في مطلب هداية المنافقين في الحضر والبادية وذلك بتأنيبهم وتوبيخهم وذكر معايبهم إرادة إصلاحهم فقال تعالى لرسوله ﴿ سيقول لك المخلفون من الأعراب ﴾ وهم غفار ومزينة وجهينة وأشجع وكانوا أهل بادية وأعرابا حول المدينة استنفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا معه إلى مكة للعمرة تحسبا لما قد تقدم عليه قريش من قتاله صلى الله عليه وسلم إلا أن هؤلاء المخلفين من الأعراب أصابهم خوف وجبن من ملاقاة قريش وزين لهم الشيطان فكرة أن الرسول والمؤمنين لن يعودوا إلى المدينة فإن قريشا ستقضي عليهم وتنهي وجودهم فلذلك خلفهم الله وحرمهم صحبة نبيه والمؤمنين فحرموا من مكرمة بيعة الرضوان وأخبر رسوله عنهم وهو عائد من الحديبية بما يلي ﴿ سيقول لك المخلفون من الأعراب ﴾ معتذرين لك عن تخلفهم ﴿ شغلتنآ أموالنا ﴾ فتخلفنا لأجل إصلاحها، ﴿ وأهلونا ﴾ كذلك ﴿ فاستغفر لنا ﴾ أي اطلب لنا من الله المغفرة. ولم يكن هذا منهم حقا وصدقا بل كان باطلا وكذبا فقال تعالى فاضحا لهم ﴿ يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ﴾ فهم إذا كاذبون. وهنا أمر رسوله أن يقول لهم أخبروني إن أنتم عصيتم الله ورسوله وتركتم الخروج مع المؤمنين جنبا وخوفا من القتل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أي شرا لكم أو أرد بكم نفعا أي خيرا لكم؟ والجواب قطعا لا أحد إذا فإنكم كنتم مخطئين في تخلفكم وظنكم معا، وقوله ﴿ بل كان الله بما تعملون خبيرا ﴾ اضرب تعالى عن كذبهم واعتذارهم ليهددهم على ذلك بقوله ﴿ بل كان الله بما تعملون خبيرا ﴾ وسيجزيكم به وما كان عملهم إلا الباطل والسوء، ثم أضرب عن هذا أيضا إلى آخر فقال ﴿ بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا ﴾ إذ تقتلهم قريش فتستأصلهم بالكلية.
وزين ذلك الشيطان في قلوبكم فرأيتموه واقعا، وظننتم ظن السوء وهو أن الرسول والمؤمنين لن ينجوا من قتال قريش لهم، وكنتم أي بذلك الظن قوما بورا لا خير فيكم هلكى لا وجود لكم. وقوله تعالى ﴿ ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنآ أعتدنا للكافرين سعيرا ﴾ وهو إخبار أريد به تخويفهم لعلهم يرجعون من باطلهم في اعتقادهم وأعمالهم إلى الحق قولا وعملا، ومعنى أعتدنا أي هيأنا وأحضرنا وسعيرا بمعنى نار مستعرة شديدة الالتهاب وقوله في الآية الأخيرة من هذا السياق [14] ﴿ ولله ملك السموت والأرض ﴾ أي بيده كل شيء ﴿ يغفر لمن يشآء ﴾ من عباده ويعذب من يشاء فاللائق بهم التوبة والإنابة إليه لا الإصرار على الكفر والنفاق فإنه غير مجد لهم ولا نافع بحال وقد تاب بهذا أكثرهم وصاروا من خيرة الناس، وكان الله غفورا رحيما فغفر لكم من تاب منهم ورحمه. ولله الحمد والمنة.