المعلول بالعلة. ثم نعلم أن الوجود المفتقر إلى الموجد، هو الموجود الجائز دون الواجب، فكذلك يجب أن نفرق بين الحكم الجائز بطلب علته، وبين الحكم الواجب. وأكدوا هذا بأن قالوا: لما وجب كون الجوهر جوهراً، وكون السواد، استحال تعليل ذلك. فهذه عمدة القوم.
فيقال لهم: كل ما ذكرتموه، دعاوى. فأما الذي صدرتم به كلامكم من أ، الواجب يستقل بوجوبه، فهو غير ما تنازعنا فيه. فبم تنكرون على من يقول: الواجب من الأحكام، إنما وجب بوجوب علته؟
فإن قالوا: قد استشهد في ذلك بالوجود، حيث أوضحنا أن الواجب منه لا يفتقر إلى مقتض، والجائز منه يفتقر.
قلنا: أنتم منازعون في ذلك أيضاً، فإنا لا نمنع وجوداً واجباً متعلقاً بموجد على وجوب، كما لا نمنع ذلك في الحكم الواجب.
فإن قالوا: بم عرفتم إذا غني الله عني موجد؟
فلنا: هذا الآن تعد منكم لحد النظر، فإنا بعد ما صددنا كم عن مرامكم، ليس لكم البحث عما نعتقده، وإنما عليكم إقامة الدليل في الفرع والأصل. ثم لو خضنا في ذلك مسامحين، قلنا: عرفنا غني الرب عن فاعل، من حيث عرفنا قدمه، وانتفاء الأولية عنه. ولو كان فعلا، لكان مبتدأ الوجود، وفاعله سابق له. فهذا يغني في إيضاح ما طلبوا من الاعتصام بالوجوب والجواز. وأما الذي تمسكون به من امتناع تعليل السواد، في كونه سواداً، فالحكم صحيح، واسناد الحكم بامتناع التعليل فيما ادعوه من الوجوب، متنازع فيه. فعلهم إقامة الدلالة على أن صفات الأجناس إنما امتنع تعليلها لوجوبها. ولا يجدون إلى ذلك سبيلا.
ثم كيف يستتب لهم ذلك، وصفات الأجناس على مذهب أهل الحق بمثابة الحدوث، والمقتضي لإثباتها القدرة، وليس يتحقق فيها الوجوب.
وإنما بنت المعتزلة ادعاء الوجوب فيها على فاسد أصلهم، إذ زعموا أن صفات