تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تكون عدما، وإما أن تكون وجوداً. فإن كانت علة العدم موجودة، لم يخل: إما أن تكون قديمة أو حدثة. فإن كانت قديمة، لزم منها استمرار العدم، حتى لا يتصور وجود ما قدر عدمه، كما يستحيل عدم القديم. وإذا وجبت العلة، وجب معلولها. ثم العدم ليس مما يتصور القيام به، ولا تتخصص العلة القديمة بعدم، ويلزم تعليل كل عدم بها، حتى يستمر العدم جملة، ولا يحدث معدوم.

وإن كانت العلة التي وردت، موجودة حادثة، استحال ذلك، لأن الحادث مسبوق بالعدم، والمعلول لا يتقدم على العلة، كيف والحادث قد سبقه عدمه، فيلزم أن يعلل بحادث، ثم يتسلسل القول، ويفضي إلى إثبات حوادث لا نهاية لها.

فإذا بطل تقدير علة موجودة لعدم المعدومات، لم يبق إلا تقدير علة معدومة، وقد وضح بطلان ذلك بما فيه مقنع. وأيضاً: فإن الانتفاء إذا تحقق من الطرفين، لم يكن أحدهما أولى بأن يكون علة من الآخر، وهذا يؤدي إلى خلط الحقائق. ويؤول محصول الكلام ما نذكره الآن، وهو أن العدم ليس بذات، فيقال عدمان، كما يقال ذاتان.

فإذا استحال تثبيت عدمين لاستحالة التمييز في العدم، فيؤول محصول القول، في أن العدم علة في العدم، إلى أن العدم إنما كان عدما، لأنه عدم. فإذا تقررت هذه الأصول، وقيل لك بعدها: لم يسكن الجوهر؟ قلت: هذا لإنباء عن انتفاء، فلا يعلل.

وإذا قال الملحد: لم يخلق الله؟ كان الجواب كذلك. وكل ما يرجع إلى نفي، فهو مندرج تحت ما ذكرناه من امتناع التعليل.

ومنه أيضاً قول القائل: لم يكن العرض قائماً بنفسه؟ ولم يكن الجوهر قائما بغيره؟ فطلب فطلب التعليل في جميع هذه الأبواب، يرجع إلى انتفاء علة النفي.

ومما لا يصح تعليله: صحة كون المعلوم معلوماً، وذلك أنا لا نسلك في ذلك

الشامل في أصول الدين · الصفحة ٥٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الشامل في أصول الدينص ٥٩٥