سكون أولا، حتى إذا عدم، قيل: اختص عدم السكون به. فلو روعي معنى الاختصاص على الوجه الذي رامه السائل، للزم أن يقال: إذا لم نعهد في الجوهر سكونا، فلا يكون متحركا، إذ لم يعدم عنه سكون وجد به قبل فبطل ما قالوه من كل وجه.
واعملوا أن الذي مهدناه يرشد إلى أصول في الديانات، استدلالا وانفالا. فأول ما فيه التقصي عن سؤال الدهرية، إذ قالوا: إذا لم يفعل الباري، ولم يخلق في أزله، وجب أن يقالك لم يفعل لعلة. وهذه الطلبة منهم في تعليل المنتفى.
ويبين بهذه الجملة الرد على لمعتزلة، حيث قالوا: إنما كان المدرك مدركاً لكونه حيا، لا آفة به. فجعلوا ثبوت حكم الحياة وانتفاء الآفات، موجباً حكم الادراك.
فيقال لهم: لا تخلون فيما قلتموه: إما أن تقولوا: إن كونه حيا، هو العلة في كونه مدركا، وإما أن تقولوا: الموجب لذلك، انتفاء الآفة، وإما أن تقولوا: الموجب لذلك، حكم الحياة مع انتفاء الآفة. وإنما فرضنا الكلام في حكم الحياة دون نفس الحياة، لأنهم زعما أن المؤثر في الإدراك كون الحي حيا، لا الحياة. ولذلك وصفوا القديم بكونه مدركاً، وإن نفوا عنه الحياة من حيث وصفوه بكونه حياً.
وباطل أن يكون حكم الحياة على حياله موجبا للإدراك. إذ لو كان كذلك، لأدرك كل حي. وباطل أن يكون انتفاء الآفة، هو الموجب لحكم الإدراك، لما قدمناه من أن الانتفاء لا يكون علة، إذ انتفاء الآفات لو كان علة في اقتضاء الإدراك، لأدرك العرض، من حيث انتفت عنه الآفات.
وإن زعموا أن الموجب لذلك، كونه حيا مع انتفاء الآفة على الجمع، فهو باطل لما سبق من أحكام العلل، من أن الموجب للحكم، لا يسوغ بركبة. وأوضحنا أن ما لا يؤثر على انفراده في إيجاب لا يؤثر مع غيره أيضاً. وقد وافقنا القول في امتناع تركب العلة، ولم يبعق جوابا لخافة في ذلك.