المعلول، وإذا انتفت العلة، استحال ثبوت معلولها دونها. وهذا مما يتقبله كل حائض في العلل على الجملة. ولكنهم يتناقشون، فيدعي كلّ على خصمه عدم استقامة ذلك على أصولهم، فليس يلتزم مخالفة هذا الأصل صريحاً أحد من المحققين.
وقد ذكر المحصلون في كتبهم عبارة موهمة، ونحن نذكرها ونوضح المراد منها، وذلك أنهم قالوا: إذا وجدت، فالحكم يثبت بوجودها، وينتفي بعد مها. وظاهر هذا الكلام كالدليل على أن عدم العلة يوجب انتفاء الحكم، كما أن وجودها يوجب ثبوته.
وليس الأمر كذلك، فإنا قد قدمنا أن العدم ال ينتصب علة. وسنوضح في باب المعلولات أنه لا يجوز أن يكون معلولا. فمرام القول إذا باللفاظة التي يجوزوا باطلا، فيها تخصّص الحكم بوجود العلة له، ولم يريدوا تقدير العدم موجباً أصلا؛ أو يكن غلب التجوّز والتوسع على ألسنة الأئمة في هذا الأصل، وإنما مرادهم ما ذكرناه.
فإن قال قائل: ما الدليل على ما قلتموه من وجوب الإطراد والانعكان، مع اعترافكم بأن ذلك ليس من مدارك الضرورات، ومصيركم إلى أن الاتفاق لا يركن إليه في العقليات؟
قلنا: الدليل على ذلك أن العلم إذا أوجب كون العالم عالماً، فلو سوّغنا ثبوت هذا الحكم دون العلم، لم يخل القول في ذلك: إما أن يسوغ إثباته بعلة أخرى، أو يسوغ إثباته من غير علة. فإن سوغنا إثبات هذا الحكم بعلة أخرى، لم يخل تلك العلة: إما أن تكون مثلا للعلم أو تكون خلافاً له. فإن كانت مثلا للعلم، فهي علم، إذ لا يماثل العلم ما ليس بعلم. ويخرج من ذلك أن كون العالم عالماً لا يثبت إلا بعلم. وإن كانت تلك العلة خلافاً للعلم، فيلزم من ذلك ثبوت الحكم الواحد بعلتين مختلفتين، وهذا باطل. وهو من أهم فصول الكتاب، وسنوده بالذكر بعد إن شاء الله عز وجل.