فأما ما لا تشترط في قيامه بمحله الحياة كالأكوان والألوان والطعوم والأرايح ونحوها، فقد قال ابن الجبائي ومن القول بالحال: إن الأكوان توجب لمحالها أحوالا وتتنزل منزلة الصفات التي تشترط في ثبوتها الحياة. فأما ما عداً الأكوان من ضروب الأعراض التي لا تشترط فيها الحياة، فقد قطع ابن الجبائي بأنها لا تقتضي أحوالا. وردد القاضي في ((الهداية)) و ((النقض الكبير)) جوابه. والذي يقتضيه قياسه على القول بالأحوال، المصير إلى تعميم القول في الأعراض، وأنها توجب لمحالها أحوالا من غيرفصل بين الأكوان وغيرها، وبين ما تشترط فيه الحياة وما لا تشترط فيه الحياة. والحق أبو هاشم التأليف في الأكوان باقتضاء الأحوال. وقد قدمنا في التليف قولا بليغاً.
ومما يليق بالأحوال أناً إذا وصفنا شيئاً بالوجود، ثم أثبتنا له بعد وصف الوجود صفاتا نحو كون الجوهر متحيزاً وكون العرض علماً أو جهلا أو إرادة أو قدرة، فهذه الصفات الزائدة على الوجود أحوال عند مثتبيها، وهي عند نفاتها أنفس الذوات وأعيانها.
والذي يضبط ذلك أن الأحوال عند مثبتيها تنقسم إلى: ما يعلل، وإلى ما لا يعلل. وأما ما يعلل فهو الأحوال الثابتة للذوات من المعاني القائمة بها، وقد قدمنا وجوه المذاهب فيها. ومن الأحوال ما لا يعلل بمعنى قائم وبمحل، فوجه الضبط فيه أن نقول: كل وصف لا يرجع إلى نفي ولا يتناقض العلم بوجود الموصوف مع الجهل فهو حال، وهو يحوى جملة صور الباب إلى أن تأتي مفصلة.
وإيضاح ذلك بالمثال طردًا وعكساً: أن كون الجوهر متحيزاً، وف غير راجع إلى النفي. ولا يبعد العلم بوجود الجوهر مع الجهل بهذا الوصف، فهو لا جرم حال. فلو قال قائل: هل يكون الحدوث حالا، فإنه وصف يبعد جهله مع العلم بوجود الذات؟