تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد أراد الله عز وجل أن يدفع المسلمون ثمن هذا التقصير ، أليس الله قادراً أن يمسك النبي بحفنة من تراب ، ويلقيها في وجوه الأعداء ، فيولوا هاربين ، هذا شيء يمكن أن يقع ، ولكن لو فعل هذا النبي لانتقل النبي إلى الرفيق الأعلى ، فنقصر في الإعداد ، ونقول : ليس بيننا نبي الله حتى ينصرنا على أعدائنا ، لا فالله عز وجل جعل المسلمين يدفعون ثمناً باهظاً في تقصيرهم ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام صلى على هؤلاء الرماة الذين عصوه ، وقد استنبط العلماء استنباطاً رائعاً ، وهو أنهم عصوا أمراً تنظيمياً ، ولم يعصوا أمراً تشريعياً ، الأمر التشريعي شيء والتنظيمي شيء آخر .

أيها الإخوة الكرام ، لكن قريشًا في هذه المعركة لم تحقق ما أرادت ، لو أنها أرادت الثأر لقتلى بدر لحققت بعض ما أرادت ، ولو أنها أرادت أن تستعيد هيبتها لحققت بعض ما أرادت لبعض الوقت ، أما لو أنها أرادت أن تقضي على المسلمين ، وأن تفسح الطريق إلى تجارتها إلى الشام لم تحقق ما تريد ، فمهما أصيب المسلمون من نكسات فهم موجودون ، والله معهم ، ولن يتخلى عنهم ، لكنه سبحانه يؤدبهم ، تماماً كالابن يخطئ ، لكن الأب لا يتبرأ منه ، ولا يطرده من البيت ، لكنه يؤدبه ، فمعنى ذلك أنك إذا كنت مؤمناً بالله فينبغي أن تصبر على تأديب الله ، وإن الله لا يتخلى عنك بالكلية ، ولكن يسوق لك من الشدائد ما يحملك على معرفته وطاعته .

أيها الإخوة الكرام ، لقد كانت غزوةُ أحد فرزاً للمؤمنين ، ودائماً هذه المصائب تسمى محك الرجال ، وقد قال الله عز وجل في الخندق : ﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ(10)هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾ .

[ سورة الأحزاب : 10-11]

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٢١٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٢١٠٧