تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[ سورة آل عمران : الآية 54 ]

و لكن شتان بين مكر الإنسان ، ومكر الله عز وجل ، لكن العلماء قالوا : هذه مشاكلة بلاغية ، الله عز وجل لا يمكر ، لأنه لا يمكر إلا الضعيف دولة قوية جداً تقول قبل أسبوع: أنا سأهاجم هذا البلد ، من الذي يُفاجِئ ؟ الضعيف ، فكل إنسان يعمل ويُدبر في الخفاء هذا دليل ضعفه، لأنه لو اكتُشِف لمُحِق ، فالضعيف يمكر ، وليس من شأن الله الضعف ، لذلك الله في الحقيقة لا يمكر ، ولكن يُدبر ، ولكن ردَّ على مكرهم بمكر مشابه ، هذا اسمه في اللغة مُشاكلة ، يأتون بشاهد في كتب البلاغة : أنطبخ لك طعاماً ، قال : لا ، اطبخوا لي جُبَّة وقميصاً ، هو بحاجة إلى جُبَّة وقميص لا إلى طعام ، فقال : اطبخوا لي جُبَّة ، الجُبَّة لا تُطبَخ ، ولكن أورد هذا الكلام على سبيل المشاكلة ، لذلك لا يجوز أن تقول : الله ماكر ، لكنّ مكر الله هو رد على مكر هؤلاء ، تدبير ، رد ، قال تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّه(54)

إذا كنت مع الله فلا تخشَ أحداً ، لأن الله يمكر لك ، وإذا كان الإنسان مع شهوته ومع مصالحه المادية ، فإن الله يمكر عليه ، وشتان بين أن يكون الله معك يمكر لك ، وبين أن يكون عليك فيمكر عليك ، أنت ضعيف لا تقوَ على فعل شيء ، لكنّ المؤمن بطاعته لله واستسلامه له وتوحيده إياه يمكر الله له :

كُن عن همومك مُعرضا وكِل الأمور إلى القَضا

وابشر بخير عاجلٍ … تنسى به ما قد مضى

فوَرُبَّ أمر مسخط لك في عواقبه رضا

ولربما ضاق المضيق ولربما اتَّسع الفضا

الله يفعل ما يشاء فلا تكن معترضا

الله عوَّدك الجميل فقِس على ما قد مضى

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٨٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٨٤٥