ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ﴿تقاسموا بالله﴾ [النمل: 49] قال: تحالفوا على إهلاكه، فلم يصلوا إليه حتى هلكوا وقومهم أجمعون ". حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه. ويتوجه قوله ﴿تقاسموا بالله﴾ [النمل: 49] إلى وجهين: أحدهما النصب على وجه الخبر، كأنه قيل: قالوا متقاسمين. وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: «ولا PageEndV18P091 يصلحون تقاسموا بالله» وليس فيها «قالوا» ، فذلك من قراءته يدل على وجه النصب في «تقاسموا» على ما وصفت. والوجه الآخر: الجزم، كأنهم قال بعضهم لبعض: اقسموا بالله، فعلى هذا الوجه الثاني تصلح قراءة ﴿لنبيتنه﴾ [النمل: 49] بالياء والنون، لأن القائل لهم تقاسموا وإن كان هو الآمر فهو فيمن أقسم، كما يقال في الكلام: انهضوا بنا نمض إلى فلان، وانهضوا نمضي إليه. وعلى الوجه الأول الذي هو وجه النصب القراءة فيه بالنون أفصح، لأن معناه: قالوا متقاسمين لنبيتنه، وقد تجوز الياء على هذا الوجه كما يقال في الكلام: قالوا لنكرمن أباك، وليكرمن أباك، وبالنون قرأ ذلك قراء المدينة، وعامة قراء البصرة وبعض الكوفيين. وأما الأغلب على قراء أهل الكوفة، فقراءته بالياء، وضم التاء جميعا. وأما بعض المكيين، فقرأه بالياء. وأعجب القراءات في ذلك إلي النون، لأن ذلك أفصح الكلام على الوجهين اللذين بينت من النصب والجزم، وإن كان كل ذلك صحيحا غير فاسد لما وصفت، وأكرهها إلي القراءة بها الياء، لقلة قارئ ذلك كذلك. PageEndV18P092 وقوله: ﴿لنبيتنه﴾ [النمل: 49] قال: ليبيتن صالحا ثم يفتكوا به.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: " قال التسعة الذين عقروا الناقة: هلم فلنقتل صالحا، فإن كان صادقا، يعني فيما وعدهم من العذاب بعد الثلاث، عجلناه قبله، وإن كان كاذبا نكون قد ألحقناه بناقته. فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله، فدمغتهم الملائكة بالحجارة؛ فلما أبطئوا على أصحابهم أتوا منزل صالح، فوجدوهم مشدوخين قد رضخوا بالحجارة "
وقوله: ﴿وإنا لصادقون﴾ [الأنعام: 146] نقول لوليه: وإنا لصادقون، أنا ما شهدنا مهلك أهله.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ومكروا مكرا، ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون. فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين﴾ [النمل: 51] يقول تعالى ذكره: وغدر هؤلاء التسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض بصالح بمسيرهم إليه ليلا ليقتلوه وأهله، وصالح لا يشعر بذلك {ومكرنا PageEndV18P093
مكرا} [النمل: 50] يقول: فأخذناهم بعقوبتنا إياهم، وتعجيلنا العذاب لهم ﴿وهم لا يشعرون﴾ [الأعراف: 95] بمكرنا. وقد بينا فيما مضى معنى: مكر الله بمن مكر به، وما وجه ذلك، وأنه أخذه من أخذه منهم على غرة، أو استدراجه منهم من استدرج على كفره به ومعصيته إياه، ثم إحلاله العقوبة به على غرة وغفلة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.