تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نرى فيما رواه كعب ووهب عنها ما لا وجود له فيها البتة على كثرته، وهي هي

التوراة التي كانت عندهم في عصرهما، فإن ما وقع من التحريف والنقصان منها

قد كان قبل الإسلام، وأما بعده فجل ما وقع من التحريف هو المعنوي بحمل اللفظ

على غير ما وضع له واختلاف الترجمة، ولا يعقل أن تكون هذه القصص الطويلة

التي نراها في التفسير والتاريخ مروية عن التوراة قد حذفت منها بعد موت كعب

ووهب وغيرهما من رواتها، فهي من الأكاذيب التي لم يكن يتيسر للصحابة

والتابعين ولرجال الجرح والتعديل الأولين العثور عليها، وكذا علماء القرون

الوسطى من المحدثين وغيرهم إلا من عني عناية خاصة بالاطلاع على كتب العهد

العتيق والعهد الجديد عند أهل الكتاب , وعلى التواريخ المفصلة لأخبارهم وقليل ما

هم , وقد كان مثل البخاري من جهاندة المنقول ومثل الفخر الرازي من جهاندة

المعقول يظنان أن جميع تحريف أهل الكتاب معنوي؛ لأن تغيير أهل الملة لكتابها

الديني غير معقول إذ لابد من أن يكون بالتواطؤ وإجماع الأمة، وسبب هذا أن

هؤلاء العلماء لم يكونوا يعلمون أن اليهود لم يكن عندهم من التوراة في الصدر

الأول من تاريخهم إلا النسخة التي وضعها موسى - عليه السلام - في صندوق

العهد (التابوت) وأنها فقدت بعد ذلك ولم يكونوا يحفظونها، وأن ما عندهم الآن

يرجع إلى ما كتبه لهم (عزرا) بعد السى ولذلك تكثر فيه الألفاظ البابلية، وهم

يزعمون أنه ألهم الصواب فيما كتب إلهاما.. . مع أن ما فيها من الأغلاط المخالفة

للواقع , ومن ذكر الحوادث التي وقعت بعد موسى , ومن ذكر موت موسى وعدم

ظهور أحد بعده مثله ومن.. . ومن.. . ما ينقض دعوى الإلهام المذكورة - إلى

آخر ما فصلناه من قبل في موضعه.

وأما مسلم فقد ذكره في بعض أسانيده , ولكن ليس له رواية صريحة عنه

لحديث انفرد به فيكون جرحه موجبا لحرماننا من الأخذ به، وقال الحافظ ابن كثير:

إن حديث أبي هريرة (خلق الله التربة يوم السبت) الذي خطأه المحققون بروايته

له هو , مما أخذه أبو هريرة عن كعب على أنه صرح فيه بسماعه من النبي صلى

الله عليه وسلم وقال في تهذيب التهذيب: وقد وقع ذكر الرواية عنه في مواضع من

مسلم في أواخر كتاب الإيمان: وفي حديث أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح

عن أبي هريرة رفعه (إذا أدى العبد حق الله وحق مواليه كان له أجران) قال:

فحدثت به كعبا فقال كعب: ليس عليه حساب ولا على مؤمن مزهد اه.

أقول: إنهم قبلوا هذه الزيادة في الحديث؛ لغرورهم بكعب حتى قال النووي:

وهذا الذي قاله كعب يحتمل أنه أخذه بتوقيف , ويحتمل أنه بالاجتهاد؛ لأن من

رجحت حسناته وأوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله

مسرورا اه , فانظر إلى هذا التأويل المتناقض لهذه الزيادة المتعلقة بأصول العقيدة

بحيث يطلب فيها القطع , وهي أن العبد المذكور والمزهد - وهو بضم الميم إسكان

الزاي قليل المال - لا حساب عليهما , فهو يجعل الحساب على كبار الأغنياء لأحرار

وحدهم , وهذا مخالف لعمومات الكتاب والسنة القطعية ومعارض بنصوص خاصة.

وأما ما ذكر من رواية له في آخر كتاب الإيمان منه فهو أن أبا هريرة قال

لكعب إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (لكل نبي دعوة يدعوها , فأنا أريد أن

أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) فقال له كعب: أنت سمعت هذا من

رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. روى هذا عن كعب عمرو بن سفيان

الثقفي , انفرد مسلم بروايته عنه وليس له غيره إلا حديث واحد , ولمسلم عن كعب

مثله في الاستفهام من أبي هريرة عن حديث الأمة التي فقدت من بني إسرائيل

وكونها هي الفار.

وجملة القول أن جرح كعب لا يقتضي خسران شيء يذكر من العلم الذي

في صحيح مسلم , ويوافق ما عند البخاري من إثبات معاوية لكذبه عنده وعند

غيره؛ ولذلك امتنع البخاري عن الرواية عنه على غرور الجمهور بعبادته، ومع

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٣٥