تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.171-186

المناسبة: لما حكى تعالى عن بني إسرائيل عصيانهم وتمردهم على أوامر الله، حكى هنا ما عاقبهم به من اقتلاع جبل الطور وسحقهم به إن لم يعملوا بأحكام التوراة، ثم ذكر تعالى مثلا لعلماء السوء في قصة الذي انسلخ عن آيات الله طمعا في حطام الدنيا وضرب له مثلا بالكلب اللاهث في حالتي التعب والراحة، وكفى به تصويرا لنفسية اليهود في تكالبهم على الدنيا وعبادتهم للمال.

اللغة: ﴿ نتقنا ﴾ النتق: الجذب بقوة قال أبو عبيدة: أصل النتق قلع الشيء من موضعه والرمي به ﴿ ظلة ﴾ الظلة: كل ما أظلك من سقف أو سحابة أو جناح حائط والجمع ظلل وظلال ﴿ وظنوا ﴾ علموا أو أيقنوا ﴿ انسلخ ﴾ الانسلاخ: الخروج يقال لكل من فارق شيئا بالكلية انسلخ منه وانسلخت الحية من جلدها أي خرجت منه ﴿ أخلد ﴾ مال الى الشيء وركن إليه وأصله اللزوم يقال أخلد فلان بالمكان إذا لزم الإقامة به ومنه الخلود في الجنة ﴿ يلهث ﴾ قال الجوهري: لهث الكلب يلهث إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش ﴿ ذرأنا ﴾ خلقنا ﴿ يلحدون ﴾ الإلحاد: الميل عن القصد والاستقامة يقال: ألحد في الدين ولحد فهو ملحد لانحرافه عن تعاليم الدين.

التفسير: ﴿ وإذ نتقنا الجبل فوقهم ﴾ أي اذكر حين اقتلعنا جبل الطور ورفعناه فوق رءوس بني إسرائيل ﴿ كأنه ظلة ﴾ أي كأنه سقيفة أو ظلة غمام ﴿ وظنوا أنه واقع بهم ﴾ أي أيقنوا أنه ساقط عليهم إن لم يمتثلوا الأمر قال المفسرون: روي أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لغلظها وثقلها فرفع الله الطور على رءوسهم وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم فلما نظروا إلى الجبل خر كل واحد منهم ساجدا خوفا من سقوطه ثم قال تعالى ﴿ خذوا مآ ءاتينكم بقوة ﴾ أي وقلنا لهم خذوا التوراة بجد وعزيمة ﴿ واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ﴾ أي اذكروا ما فيه بالعمل واعملوا به لتكونوا في سلك المتقين ﴿ وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم ﴾ قال الطبري: أي واذكر يا محمد إذ استخرج ربك أولاد آدم من أصلاب آبائهم فقررهم بتوحيده وأشهد بعضهم على بعض بذلك قال ابن عباس: مسح الله ظهر آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة. ﴿ وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ ﴾ أي وقررهم على ربوبيته ووحدانيته فأقروا بذلك والتزموه ﴿ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ﴾ أي لئلا تقولوا يوم الحساب إنا كنا عن هذا الميثاق والإقرار بالربوبية غافلين لم ننبه عليه ﴿ أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ﴾ أي ولكيلا تقولوا يوم القيامة أيضا نحن ما أشركنا وإنما قلدنا آباءنا واتبعنا منهاجهم فنحن معذورون ﴿ أفتهلكنا بما فعل المبطلون ﴾ أي أفتهلكنا بإشراك من أشرك من آبائنا المضلين بعد اتباعنا منهاجهم على جهل منا بالحق؟ ﴿ وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون ﴾ أي وكما بينا الميثاق نبين الآيات ليتدبرها الناس وليرجعوا عما هم عليه من الإصرار على الباطل وتقليد الآباء ﴿ واتل عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ منها ﴾ أي واتل يا محمد على اليهود خبر وقصة ذلك العالم الذي علمناه علم بعض كتب الله فانسلخ من الآيات كما تنسلخ الحية من جلدها بأن كفر بها وأعرض عنها ﴿ فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ﴾ أي فلحقه الشيطان واستحوذ عليه حتى جعله في زمرة الضالين الراسخين في الغواية بعد أن كان من المهتدين قال ابن عباس: هو " بلعم بن باعوراء " كان عنده اسم الله الأعظم وقال ابن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل بعثه موسى إلى ملك " مدين " داعيا إلى الله فرشاه الملك وأعطاه الملك على أن يترك دين موسى ويتابع الملك على دينه ففعل وأضل الناس بذلك ﴿ ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه ﴾ أي لو شئنا لرفعناه إلى منزل العلماء الأبرار ولكنه مال إلى الدنيا وسكن إليها وآثر لذتها وشهواتها على الآخرة واتبع ما تهواه نفسه فانحط أسفل سافلين ﴿ فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ﴾ أي فمثله في الخسة والدناءة كمثل الكلب إن طردته وزجرته فسعى لهث، وإن تركته على حاله لهث، وهو تمثيل بادي الروعة ظاهر البلاغة ﴿ ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ﴾ أي هذا المثل السيء هو مثل لكل من كذب بآيات الله، وفيه تعريض باليهود فقد أوتوا التوراة وعرفوا صفة النبي عليه الصلاة والسلام فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به وانسلخوا من حكم التوراة ﴿ فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ﴾ أي اقصص على أمتك ما أوحينا إليك لعلهم يتدبرون فيها ويتعظون ﴿ سآء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا ﴾ أي بئس مثلا مثل القوم المكذبين بآيات الله ﴿ وأنفسهم كانوا يظلمون ﴾ أي وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم فإن وباله لا يتعداها ﴿ من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ﴾ أي من هداه الله فهو السعيد الموفق، ومن أضله فهو الخائب الخاسر لا محالة، والغرض من الآية بيان أن الهداية والإضلال بيد الله ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ﴾ أي خلقنا لجهنم ليكونوا حطبا لها خلقا كثيرا كائنا من الجن والإنس، والمراد بهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة ﴿ لهم قلوب لا يفقهون بها ﴾ أي لهم قلوب لا يفهمون بها الحق ﴿ ولهم أعين لا يبصرون بها ﴾ أي لا يبصرون بها دلائل قدرة الله بصر اعتبار ﴿ ولهم آذان لا يسمعون بهآ ﴾ أي لا يسمعون بها الآيات والمواعظ سماع تدبر واتعاظ، وليس المراد نفي السمع والبصر بالكلية وإنما المراد نفيها عما ينفعها في الدين ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ أي هم كالحيوانات في عدم الفقه والبصر والاستماع هم أسوأ حالا من الحيوانات فإنها تدرك منافعها ومضارها وهؤلاء لا يميزون بين المنافع والمضار ولهذا يقدمون على النار ﴿ أولئك هم الغافلون ﴾ أي الغارقون في الغفلة ﴿ ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها ﴾ أي لله الأسماء التي هي أحسن الأسماء وأجلها لإنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها فسموه بتلك الأسماء ﴿ وذروا الذين يلحدون في أسمآئه ﴾ أي اتركوا الذين يميلون في أسمائه تعالى عن الحق كما فعل المشركون حيث اشتقوا لآلهتهم أسماء منها كاللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان ﴿ سيجزون ما كانوا يعملون ﴾ أي سينالون جزاء ما عملوا في الآخرة ﴿ وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ أي ومن بعض الأمم التي خلقنا أمة مستمسكة بشرع الله قولا وعملا يدعون الناس إلى الحق وبه يعملون ويقضون قال ابن كثير: والمراد في الآية هذه الأمة المحمدية لحديث

صفوة التفاسير · الصفحة ٢٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٢٥١