" لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود.. "
الحديث أخرجه مسلم ثم بين تعالى أنهم ليسوا جميعا فجارا بل فيهم الأخيار وفيهم الأشرار فقال ﴿ منهم الصالحون ومنهم دون ذلك ﴾ أي منهم من آمن وهم قلة قليلة ومنهم من انحط عن درجة الصلاح بالكفر والفسوق وهم الكثرة الغالبة ﴿ وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ﴾ أي اختبرناهم بالنعم والنقم والشدة والرخاء لعلهم يرجعون عن الكفر والمعاصي ﴿ فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب ﴾ قال ابن كثير: أي خلف من بعد ذلك الجيل الذي فيهم الصالح والطالح خلف آخر لا خير فيهم ورثوا الكتاب وهو التوراة عن آبائهم ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ﴾ أي يأخذون ذلك الشيء الدنيء من حطام الدنيا من حلال وحرام ويقولون متبجحين: سيغفر الله لنا ما فعلناه، وهذا اغترار منهم وكذب على الله ﴿ وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ﴾ أي يرجون المغفرة وهم مصرون على الذنب كلما لاح لهم شيء من حطام الدنيا أخذوه لا يبالون من حلال كان أو حرام ﴿ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ﴾ الاستفهام للتوبيخ والتقريع أي ألم يؤخذ عليهم العهد المؤكد في التوراة أن يقولوا الحق ولا يكذبوا على الله؟ فكيف يزعمون أنه سيغفر لهم مع إصرارهم على المعاصي وأكل الحرام؟ ﴿ ودرسوا ما فيه ﴾ في هذا أعظم التوبيخ لهم أي والحال أنهم درسوا ما في الكتاب وعرفوا ما فيه المعرفة التامة من الوعيد على قول الباطل والافتراء على الله ﴿ والدار الآخرة خير للذين يتقون ﴾ أي والآخرة خير للذين يتقون الله بترك الحرام ﴿ أفلا تعقلون ﴾؟ الاستفهام للإنكار أي فلا ينزجرون ويعقلون؟ والمراد أنهم لو كانوا عقلاء لما آثروا الفانية على الباقية ﴿ والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة ﴾ أي يتمسكون في أمور دينهم بما أنزله الله ويحافظون على أداء الصلاة في أوقاتها ﴿ إنا لا نضيع أجر المصلحين ﴾ أي لا نضيع أجرهم بل نجزيهم على تمسكهم وصلاحهم أفضل وأكرم الجزاء.
البلاغة: 1- ﴿ ولما سكت عن موسى الغضب ﴾ شبه الغضب بإنسان يرعد ويزبد ويزمجر بصوته آمرا بالانتقام ثم اختفى هذا الصوت وسكت، ففي الكلام " استعارة مكنية " ويا له من تصوير لطيف يستشعر جماله كل ذي طبع سليم وذوق صحيح.
2- بين لفظ " تضل " و " تهدي " طباق وكذلك بين لفظ " يحيي " و " يميت ".
3- ﴿ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث ﴾ فيه من المحسنات البديعية ما يسمى بالمقابلة، وهي أن يؤتى بمعنيين أو أكثر ثم يؤتى بما يقابلها على الترتيب.
4- ﴿ ويضع عنهم إصرهم والأغلال ﴾ استعار الإصر والأغلال للأحكام والتكاليف الشاقة.
5- ﴿ أفلا تعقلون ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب زيادة في التوبيخ والتأنيب.
فائدة: الخلف بفتح اللام من يخلف غيره بالخير، والخلف بسكون اللام من يخلف غيره في الشر ومنه قوله تعالى
فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا
[مريم: 59] وهذه الآية ﴿ فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب ﴾ والله أعلم.