" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك "
وهذه الطائفة لا تختص بزمان دون زمان بل هم في كل زمان وفي كل مكان، فالإسلام دائما يعلو ولا يعلى عليه وإن كثر الفساق وأهل الشر فلا عبرة فيهم ولا صولة لهم، وفي الحديث بشارة عظيمة لهذه الأمة المحمدية بأن الإسلام في علو شرف وأهله كذلك إلى قرب الساعة ﴿ والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ﴾ أي والذين كذبوا بالقرآن من أهل مكة وغيرهم سنأخذهم قليلا وندنيهم من الهلاك من حيث لا يشعرون قال البيضاوي: وذلك بأن تتواتر عليهم النعم، فيظنوا أنها لطف من الله تعالى بهم فيزدادوا بطرا وانهماكا في الغي حتى تحق عليهم كلمة العذاب ﴿ وأملي لهم ﴾ أي وأمهلهم ثم آخذهم أخذ عزيز مقتدر كما في الحديث الشريف
" إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته "
﴿ إن كيدي متين ﴾ أي أخذي وعقابي قوي شديد وإنما سماه كيدا لأن ظاهره إحسان وباطنه خذلان ﴿ أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة ﴾ أي أولم يتفكر هؤلاء المكذبون بآيات الله فيعلموا أنه ليس بمحمد صلى الله عليه وسلم جنون بل هو رسول الله حقا أرسله الله لهدايتهم، وهذا نفي لما نسبه له المشركون من الجنون في قولهم
يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون
[الحجر: 6] ﴿ إن هو إلا نذير مبين ﴾ أي ليس محمد إلا رسول منذر أمره بين واضح لمن كان له لب أو قلب يعقل به ويعي ﴿ أولم ينظروا في ملكوت السموت والأرض ﴾ أي أولم ينظروا نظر استدلال في ملك الله الواسع مما يدل على عظم الملك وكمال القدرة، والاستفهام للإنكار والتعجب والتوبيخ ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ أي وفي جميع مخلوقات الله الجليل فيها والدقيق فيستدلوا بذلك على كمال قدرة صانعها وعظم شأن مالكها ووحدة خالقها ومبدعها؟ ﴿ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ﴾ أي وأن يتفكروا لعلهم يموتون عن قريب فينبغي لهم أن يسارعوا إلى النظر والتدبر فيما يخلصهم عند الله قبل حلول الأجل ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ أي فبأي حديث بعد القرآن يؤمنون إذا لم يؤمنوا به وهو النهاية في الظهور والبيان ﴿ من يضلل الله فلا هادي له ﴾ أي من كتب الله عليه الضلالة فإنه لا يهديه أحد ﴿ ويذرهم في طغيانهم يعمهون ﴾ أي ويتركهم في كفرهم وتمردهم يترددون ويتحيرون.
البلاغة: 1 - ﴿ وإذ أخذ ربك ﴾ فيه التفات من المتكلم إلى المخاطب والأصل وإذ أخذنا والنكتة في ذلك تعظيم شأن الرسول بتوجيه الخطاب له، ولا يخفى أيضا ما في الإضافة إلى ضميره عليه السلام ﴿ ربك ﴾ من التكريم والتشريف، وفي الآية البيان بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال ﴿ فانسلخ منها ﴾ أي خرج منها بالكلية انسلاخ الجلد من الشاة قال أبو السعود: التعبير عن الخروج منها بالانسلاخ للإيذان بكمال مباينته للآيات بعد أن كان بينهما كمال الاتصال ﴿ فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ﴾ فيه تشبيه تمثيلي أي حاله التي هي مثل في السوء كحال أخس الحيوانات وأسفلها وهي حالة الكلب في دوام لهثه في حالتي التعب والراحة فالصورة منتزعة من متعدد ولهذا يسمى التشبيه التمثيلي ﴿ أولئك كالأنعام ﴾ التشبيه هنا مرسل مجمل.
فائدة: روي عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿ ألست بربكم قالوا بلى ﴾ أنه قال: لو قالوا نعم لكفروا، ووجهه أن " نعم " تصديق للمخبر بنفي أو إيجاب فكأنهم أقروا أنه ليس ربهم بخلاف " بلى " فإنها حرف جواب وتختص بالنفي وتفيد إبطاله فالمعنى بلى أنت ربنا ولو قالوا نعم لصار المعنى نعم لست ربنا فهذا وجه قول ابن عباس فتنبه له فإنه دقيق.
تنبيه: في الحديث الشريف
" إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة "
رواه الترمذي قال العلماء: معناه من حفظها وتفكر في مدلولها دخل الجنة وليس المراد حصر أسمائه تعالى في هذه التسعة والتسعين بدليل ما جاء في الحديث الآخر