7.73-93
المناسبة: لما ذكر تعالى في أول السورة قصة آدم، وما اتصل بها من آثار قدرته، وغرائب صنعته، الدالة على توحيده وربوبيته، وأقام الحجة الدامغة على صحة البعث بعد الموت، أتبع ذلك بقصص الأنبياء وما جرى لهم مع أممهم، فذكر نوحا وهودا وأعقبه هنا بذكر قصة صالح وشعيب، وموقف المعاندين للرسل الكرام.
اللغة: ﴿ ناقة ﴾ الناقة: الأنثى من الجمال، وعقر الناقة ضرب قوائمها بالسيف ﴿ عتوا ﴾ استكبروا عتا عتوا أي استكبر والليل العاتي: الشديد الظلمة ﴿ جاثمين ﴾ لاصقين بالأرض على ركبهم ووجوههم كما يجثم الطائر ﴿ الرجفة ﴾ الطامة التي يرجف لها الإنسان أي يتزعزع ويضطرب وأصل الرجف الاضطراب رجفت الأرض اضطربت ﴿ الغابرين ﴾ الباقين في عذاب الله، والغابر بمعنى الباقي ويجيء بمعنى الماضي والذاهب ومنه قول الأعشى: في الزمن الغابر فهو من الأضداد كما في الصحاح ﴿ يغنوا ﴾ يقيموا يقال غنى بالمكان إذا أقام به دهرا طويلا ﴿ عفوا ﴾ كثروا ونموا من عفا النبات إذا كثر.
التفسير: ﴿ وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ﴾ أي وحدوا الله ولا تشركوا به ﴿ قد جآءتكم بينة من ربكم ﴾ أي معجزة ظاهرة جلية تدل على صحة نبوتي ﴿ هذه ناقة الله لكم آية ﴾ هذا بيان للمعجزة أي هذه الناقة معجزتي إليكم وإضافتها إلى الله للتشريف والتعظيم لأنها خلقت بغير واسطة قال القرطبي: أخرج لهم الناقة حين سألوه من حجر صلد ﴿ فذروها تأكل في أرض الله ﴾ أي اتركوها تأكل من رزق ربها ﴿ ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ﴾ أي لا تتعرضوا لها بشيء من السوء أصلا إكراما لها لأنها آية الله، والعذاب الأليم هو ما حل بهم حين عقروها ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد عاد ﴾ أي خلفاء في الأرض قال الشهاب: لم يقل خلفاء عاد إشارة إلى أن بينهما زمانا طويلا ﴿ وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا ﴾ أي أسكنكم في أرض الحجر تبنون في سهولها قصورا رفيعة ﴿ وتنحتون الجبال بيوتا ﴾ أي تنحتون الجبال لسكناكم قال القرطبي: اتخذوا البيوت في الجبال لطول أعمارهم فإن الأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم ﴿ فاذكروا آلآء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ أي اذكروا نعم الله عليكم واشكروه على ما تفضل به ولا تعيثوا في الأرض فسادا ﴿ قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم ﴾ أي قال الأشراف المستكبرون من قوم صالح للمؤمنين المستضعفين من أتباع صالح عليه السلام ﴿ أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه ﴾ أي أن الله أرسله إلينا وإليكم، وهذا قالوه على سبيل السخرية والاستهزاء ﴿ قالوا إنا بمآ أرسل به مؤمنون ﴾ أي أجابوهم بالأسلوب الحكيم بالإيمان برسالته قال أبو حيان: وعدولهم عن قولهم هو مرسل إلى قولهم ﴿ إنا بمآ أرسل به مؤمنون ﴾ في غاية الحسن إذ أمر رسالته معلوم واضح مسلم لا يدخله ريب لما أتى به من هذا المعجز الخارق العظيم فلا يحتاج أن يسأل عن رسالته ﴿ قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون ﴾ أي قال المستكبرون نحن كافرون بما صدقتم به من نبوة صالح وإنما لم يقولوا إنا بما أرسل به كافرون إظهارا لمخالفتهم إياهم وردا لمقالتهم ﴿ فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم ﴾ أي نحروا الناقة واستكبروا عن امتثال أمر الله ﴿ وقالوا ياصالح ائتنا بما تعدنآ إن كنت من المرسلين ﴾ أي جئنا يا صالح بما تعدنا من العذاب الذي تخوفنا به إن كنت يا صالح حقا رسولا، قالوا ذلك استهزاء به وتعجيزا ﴿ فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ﴾ أخذتهم الزلزلة الشديدة فصاروا في منازلهم هامدين موتى لا حراك بهم قال في البحر: أخذتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء له صوت في الأرض فقطعت قلوبهم وهلكوا ﴿ فتولى عنهم وقال ياقوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين ﴾ أي أدبر عنهم صالح بعد هلاكهم ومشاهدة ما جرى عليهم وقال على سبيل التفجع والتحسر عليهم: لقد بلغتكم الرسالة وحذرتكم عذاب الله وبذلت وسعي في نصيحتكم ولكن شأنكم الاستمرار على بغض الناصحين وعداوتهم قال الزمخشري ﴿ ولكن لا تحبون الناصحين ﴾ حكاية حال ماضية قد يقول الرجل لصاحبه وهو ميت - وكان قد نصحه حيا فلم يسمع منه حتى ألقى بنفسه في التهلكة -: يا أخي كم نصحتك وكم قلت لك فلم تقبل مني؟ ﴿ ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ﴾ أي واذكر وقت أن قال لوط لقومه أهل سدوم على سبيل الإنكار والتوبيخ: أتفعلون تلك الفعلة الشنيعة المتناهية في القبح التي ما عملها أحد قبلكم في زمن من الأزمان! والفاحشة هي إتيان الذكور في الأدبار، أنكر عليهم أولا فعلها ثم وبخهم بأنهم أول من فعلها قال أبو حيان: ولما كان هذا الفعل معهودا قبحه، ومركوزا في العقول فحشه أتى به معرفا بالألف واللام ﴿ الفاحشة ﴾ بخلاف الزنى فإنه قال فيه