تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا

[فاطر: 6] ﴿ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ﴾ أي لكم في الأرض موضع استقرار وتمتع وانتفاع إلى حين انقضاء آجالكم ﴿ قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ﴾ أي في الأرض تعيشون وفيها تقبرون ومنها تخرجون للجزاء كقوله

منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى

[طه: 55] ثم ذكر تعالى ما امتن به على ذرية آدم من اللباس والرياش والمتاع فقال ﴿ يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ﴾ أي أنزلنا عليكم لباسين: لباسا يستر عوراتكم، ولباسا يزينكم وتتجملون به قال الزمخشري: الريش لباس الزينة استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته ﴿ ولباس التقوى ذلك خير ﴾ أي ولباس الورع والخشية من الله تعالى خير ما يتزين به المرء فإن طهارة الباطن أهم من جمال الظاهر قال الشاعر:

وخير لباس المرء طاعة ربه

ولا خير فيمن كان لله عاصيا

﴿ ذلك من آيات الله ﴾ أي إنزال اللباس من الآيات العظيمة الدالة على فضل الله ورحمته على عباده ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ أي لعلهم يذكرون هذه النعم فيشكرون الله عليها ﴿ يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان ﴾ أي لا يغوينكم الشيطان بإضلاله وفتنته ﴿ كمآ أخرج أبويكم من الجنة ﴾ أي كما أغوى أبويكم بالأكل من الشجرة حتى أخرجهما من الجنة ﴿ ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهمآ ﴾ أي ينزع عنهما اللباس لتظهر العورات، ونسب النزع إليه لأنه المتسبب، وهذا هدف اللعين أن يهتك الستر عن الإنسان ويعريه من جميع الفضائل الحسية والمعنوية ﴿ إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ﴾ أي إن الشيطان يبصركم هو وجنوده من الجهة التي لا تبصرونه منها، فهو لكم بالمرصاد فاحذروا كيده ومكره لأن العدو إذا أتى من حيث لا يرى كان أشد وأخوف ﴿ إنا جعلنا الشياطين أوليآء للذين لا يؤمنون ﴾ أي جعلنا الشياطين أعوانا وقرناء للكافرين ﴿ وإذا فعلوا فاحشة ﴾ أي وإذا فعل المشركون فاحشة وهي الفعلة المتناهية في القبح كالطواف حول البيت عراة ﴿ قالوا وجدنا عليهآ آباءنا ﴾ أي اعتذروا عن ذلك الفعل القبيح بتقليد الآباء ﴿ والله أمرنا بها ﴾ أي أمرنا بالتجرد من الثياب إذ كيف نطوف في ثياب عصينا فيها الله! وهذا افتراء على ذي الجلال قال البيضاوي: احتجوا بأمرين: تقليد الآباء، والافتراء على الله سبحانه، فأعرض عن الأول لظهور فساده، ورد الثاني بقوله ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشآء ﴾ أي قل لهم يا محمد: الله منزه عن النقص لا يأمر عباده بقبائح الأفعال ومساوئ الخصال ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ الاستفهام للإنكار والتوبيخ أي أتكذبون على الله وتنسبون إليه القبيح دون علم ونظر صحيح؟ ﴿ قل أمر ربي بالقسط ﴾ أي بالعدل والاستقامة ﴿ وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ﴾ أي توجهوا بكليتكم إليه عند كل سجود ﴿ وادعوه مخلصين له الدين ﴾ أي واعبدوه مخلصين له العبادة والطاعة قال ابن كثير: أي أمركم بالاستقامة في عبادته وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات وبالإخلاص لله في العبادة فإن الله تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين: أن يكون صوابا موافقا للشريعة، وأن يكون خالصا من الشرك ﴿ كما بدأكم تعودون ﴾ أي كما بدأكم من الأرض تعودون إليها ﴿ فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ﴾ أي هدى فريقا منكم وأضل فريقا منكم وهو الفعال لما يريد لا يسأل عما يفعل ﴿ إنهم اتخذوا الشياطين أوليآء من دون الله ﴾ هذا تعليل للفريق الذين حقت عليهم الضلالة أي اتخذوا الشياطين نصراء من دون الله ﴿ ويحسبون أنهم مهتدون ﴾ أي يظنون أنهم على بصيرة وهداية.

البلاغة: 1- ﴿ حرج منه ﴾ أي ضيق من تبليغه فهو على حذف مضاف مثل

وسئل القرية

[يوسف: 82].

2- ﴿ من ربكم ﴾ التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة لضمير المخاطبين لمزيد اللطف بهم وترغيبهم في امتثال الأوامر.

صفوة التفاسير · الصفحة ٢٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٢٣١