" يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين فلا يزن عند الله جناح بعوضة "
والكل صحيح فتارة توزن الأعمال، وتارة محالها، وتارة يوزن فاعلها والله أعلم أقول: لا غرابة في وزن الأعمال ووزن الحسنات والسيئات بالذات، فإذا كان العلم الحديث قد كشف لنا عن موازين للحر والبرد، واتجاه الرياح والأمطار، أفيعجز القادر على كل شيء عن وضع موازين لأعمال البشر؟ ﴿ ولقد مكناكم في الأرض ﴾ أي جعلنا لكم أيها الناس في الأرض مكانا وقرارا قال البيضاوي: أي مكناكم من سكناها وزرعها والتصرف فيها ﴿ وجعلنا لكم فيها معايش ﴾ أي ما تعيشون به وتحيون من المطاعم والمشارب وسائر ما تكون به الحياة ﴿ قليلا ما تشكرون ﴾ أي ومع هذا الفضل والإنعام قليل منكم من يشكر ربه كقوله
وقليل من عبادي الشكور
[سبأ: 13] ﴿ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ﴾ أي خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور ثم صورناه أبدع تصوير وأحسن تقويم، وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيما له لأنه أبو البشر ﴿ ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم ﴾ أي ثم أمرنا الملائكة بالسجود لآدم تكريما له ولذريته ﴿ فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين ﴾ أي سجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس امتنع من السجود تكبرا وعنادا، والاستثناء منقطع لأنه استثناء من غير الجنس وقد تقدم قول الحسن البصري: لم يكن إبليس من الملائكة طرفة عين ﴿ قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ﴾ أي قال تعالى لإبليس أي شيء منعك أن تدع السجود لآدم؟ والاستفهام للتقريع والتوبيخ ﴿ قال أنا خير منه ﴾ أي قال إبليس اللعين أنا أفضل من آدم وأشرف منه فكيف يسجد الفاضل للمفضول؟ ثم ذكر العلة في الامتناع فقال ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ أي أنا أشرف منه لشرف عنصري على عنصره، لأنني مخلوق من نار والنار أشرف من الطين، ولم ينظر المسكين لأمر من أمره بالسجود وهو الله تعالى قال ابن كثير: نظر اللعين إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى التشريف والتعظيم وهو أن الله خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وقاس قياسا فاسدا فأخطأ قبحه الله في قياسه في دعواه أن النار أشرف من الطين، فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم، والنار من شأنها الإحراق والطيش، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح والنار محل العذاب ولهذا خان إبليس عنصره فأورثه الهلاك والشقاء والدمار قال ابن سيرين: أول من قاس إبليس فأخطأ فمن قاس الدين برأيه قرنه الله مع إبليس ﴿ قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها ﴾ أي اهبط من الجنة فما يصح ولا يستقيم ولا ينبغي أن تستكبر عن طاعتي وأمري وتسكن دار قدسي ﴿ فاخرج إنك من الصاغرين ﴾ أي الذليلين الحقيرين قال الزمخشري: وذلك أنه لما أظهر الاستكبار ألبسه الله الذل والصغار فمن تواضع لله رفعه ومن تكبر على الله وضعه ﴿ قال أنظرني إلى يوم يبعثون ﴾ استدرك اللعين فطلب من الله الإمهال إلى يوم البعث لينجو من الموت لأن يوم البعث لا موت بعده فأجابه تعالى بقوله ﴿ قال إنك من المنظرين ﴾ قال ابن عباس: أنظره إلى النفخة الأولى حيث يموت الخلق كلهم وكان طلب الإنظار إلى النفخة الثانية حيث يقوم الناس لرب العالمين فأبى الله ذلك عليه ويؤيده الآية الأخرى
قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم
[الحجر: 37 - 38] ﴿ قال فبمآ أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾ أي فبسبب إغوائك وإضلالك لي لأقعدن لآدم وذريته على طريق الحق وسبيل النجاة الموصل للجنة كما يقعد القطاع للسابلة ﴿ ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمآئلهم ﴾ أي آتي عبادك من كل جهة من الجهات الأربع لأصدهم عن دينك قال الطبري: معناه لآتينهم من جميع وجوه الحق والباطل، فأصدهم عن الحق وأحسن لهم الباطل قال ابن عباس: ولا يستطيع أن يأتي من فوقهم لئلا يحول بين العبد وبين رحمة الله تعالى ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ أي مؤمنين مطيعين شاكرين لنعمك ﴿ قال اخرج منها مذءوما مدحورا ﴾ أي اخرج من الجنة مذموما معيبا مطرودا من رحمتي ﴿ لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين ﴾ اللام موطئة للقسم أي لمن أطاعك من الإنس والجن لأملأن جهنم من الأتباع الغاوين أجمعين، وهو وعيد بالعذاب لكل من انقاد للشيطان وترك أمر الرحمن ﴿ ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ أي وقلنا يا آدم اسكن مع زوجك حواء الجنة بعد أن أهبط منها إبليس وأخرج وطرد ﴿ فكلا من حيث شئتما ﴾ أي كلا من ثمارها من أي مكان شئتما ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ﴾ أباح لهما الأكل من جميع ثمارها إلا شجرة واحدة عينها لهما ونهاهما عن الأكل منها ابتلاء وامتحانا فعند ذلك حسدهما الشيطان وسعى في الوسوسة والمكر والخديعة ﴿ فوسوس لهما الشيطان ﴾ أي ألقى لهما بصوت خفي لإغرائهما بالأكل من الشجرة ﴿ ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما ﴾ أي ليظهر لهما ما كان مستورا من العورات التي يقبح كشفها ﴿ وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ﴾ وهذا توضيح لوسوسة اللعين أي قال في وسوسته لهما: ما نهاكما ربكما عن الأكل من هذه الشجرة إلا كراهية أن تكونا ملكين أو تصبحا من المخلدين في الجنة ﴿ وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين ﴾ أي حلف لهما بالله على ذلك حتى خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله قال الألوسي: وإنما عبر بصيغة المفاعلة للمبالغة لأن من يباري أحدا في فعل يجد فيه ﴿ فدلاهما بغرور ﴾ أي خدعهما بما غرهما به من القسم بالله قال ابن عباس: غرهما باليمين وكان آدم يظن أنه لا يحلف أحد بالله كاذبا فغرهما بوسوسته وقسمه لهما ﴿ فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما ﴾ أي فلما أكلا من الشجرة ظهرت عوراتهما قال الكلبي: تهافت عنهما لباسهما فأبصر كل منهما عورة صاحبه فاستحيا ﴿ وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ﴾ أي أخذا وشرعا يلصقان ورقة على ورقة ليستترا به بعد أن كانت كسوتهما من حلل الجنة قال القرطبي: أي جعلا يقطعان الورق ويلزقانه ليستترا به ومنه خصف النعل وعن وهب ابن منبه قال: كان لباس آدم وحواء نورا على فروجهما لا يرى هذا عورة هذه، ولا هذه عورة هذا فلما أصابا الخطيئة بدت لهما سوآتهما ﴿ وناداهما ربهمآ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكمآ إن الشيطآن لكما عدو مبين ﴾ أي ناداهما الله بطريق العتاب والتوبيخ قائلا: ألم أحذركما من الأكل من هذه الشجرة وأخبركما بعداوة الشيطان اللعين؟ روى أنه تعالى قال لآدم: ألم يكن لك فيما منحتك من شجر الجنة مندوحة عن هذه الشجرة؟ فقال: بلى وعزتك ولكن ما ظننت أن أحدا من خلقك يحلف بك كاذبا قال: فوعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا كدا ﴿ قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ﴾ اعترفا بالخطيئة وتابا من الذنب وطلبا من الله المغفرة والرحمة قال الطبري: وهذه الآية هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه ﴿ قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ﴾ الخطاب لآدم وحواء وإبليس ولهذا جاء بصيغة الجمع أي اهبطوا من سماء القدس إلى الأرض حال كون بعضكم عدوا لبعض، فالشيطان عدو للإنسان، والإنسان عدو للشيطان كقوله