5.97-108
المناسبة: لما ذكر تعالى في الآية المتقدمة أن الصيد على المحرم حرام، ونهى عن قتل الطير والوحش في حالة الإحرام، ذكر تعالى في هذه الآية أنه جعل الكعبة قياما للناس إذ ركز في قلوبهم تعظيمها بحيث لا يقع فيها أذى لأحد، فكما أن الحرم سبب لأمن الوحش والطير فكذلك هو سبب لأمن الناس عن الآفات والمخافات، وسبب لحصول الخيرات والسعادات في الدنيا والآخرة.
اللغة: ﴿ البحيرة ﴾ من البحر وهو الشق قال أبو عبيدة: وهي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن في آخرها ذكر شقوا أذنها وخلوا سبيلها فلا تركب ولا تحلب ﴿ السآئبة ﴾ البعير يسيب بنذر ونحوه ﴿ وصيلة ﴾ الوصيلة من الغنم كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن وكان السابع ذكرا وأنثى قالوا قد وصلت أخاها فلم تذبح ﴿ حام ﴾: الفحل إذا نتج من صلبه عشرة أبطن يقال قد حمى ظهره فلا يركب ولا يمنع من كلأ ولا ماء ﴿ عثر ﴾ ظهر يقال: عثرت منه على خيانة أي اطلعت وظهرت لي ﴿ الأوليان ﴾ تثنية أولى بمعنى أحق.
سبب النزول: أ - عن ابن عباس قال: كان قوم يسألون النبي صلى الله عليه وسلم استهزاء فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي فأنزل الله ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم.. ﴾ الآية.
ب - وعن ابن عباس قال: كان تميم الداري وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة فخرج معهما فتى من " بني سهم " فتوفي بأرض ليس بها مسلم، فأوصى إليهما فدفعا تركته إلى أهله وحبسا جاما من فضة مخوصا بالذهب، فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كتمتما ولا اطلعتما!! ثم وجد الجام بمكة فقالوا: اشتريناه من عدي وتميم فجاء رجلان من ورثة السهمي فحلفا أن هذا الجام للسهمي ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا فأخذوا الجام وفيهم نزلت هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم.. ﴾ الآية.
التفسير: ﴿ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ﴾ أي جعل الله الكعبة المشرفة وهي البيت المحرم صلاحا ومعاشا للناس لقيام أمر دينهم ودنياهم إذ هو سبب لانتعاشهم في أمور معاشهم ومعادهم، يلوذ به الخائف، ويأمن فيه الضعيف، ويربح فيه التجار، ويتوجه إليه الحجاج والعمار ﴿ والشهر الحرام ﴾ أي الأشهر الحرم " ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب " قياما لهم لأمنهم القتال فيها ﴿ والهدي والقلائد ﴾ أي الهدي الذي يهدى للحرم من الأنعام، والبدن ذوات القلائد التي تقلد من شجر الحرم لتأمن هي وأصحابها جعلها الله أيضا قياما للناس ﴿ ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموت وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم ﴾ أي جعل هذه الحرمة للبيت الحرام والشهر الحرام والهدي والقلائد لتعلموا أيها الناس أن الله يعلم تفاصيل أمور السماوات والأرض ويعلم مصالحكم لذلك جعل الحرم آمنا يسكن فيه كل شيء، فانظروا لطفه بالعباد مع كفرهم وضلالهم ﴿ اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم ﴾ أي اعلموا أيها الناس أن الله شديد العقاب لمن عصاه وأنه غفور رحيم لمن تاب وأطاع وأناب، فلا تيئسنكم نقمته ولا تطمعنكم رحمته ﴿ ما على الرسول إلا البلاغ ﴾ أي ليس على الرسول إلا أداء الرسالة وتبليغ الشريعة وقد بلغ ما وجب عليه فلا عذر لأحد في التفريط ﴿ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ﴾ أي لا يخفى عليه شيء من أحوالكم وأعمالكم وسيجازيكم عليها قال أبو حيان: الجملة فيها تهديد إذ أخبر تعالى أنه مطلع على حال العبد ظاهرا وباطنا فهو مجازيه على ذلك ثوابا أو عقابا ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ﴾ أي قل يا محمد لا يتساوى الخبيث والطيب ولو أعجبك أيها السامع كثرة الخبيث وهو مثل ضربه الله للتمييز بين الحلال والحرام، والمطيع والعاصي، والرديء والجيد قال القرطبي: اللفظ عام في جميع الأمور يتصور في المكاسب، والأعمال، والناس، والمعارف من العلوم وغيرها، فالخبيث من هذا كله لا يفلح ولا ينجب ولا تحسن له عاقبة وإن كثر، والطيب - وإن قل - نافع حميد جميل العاقبة وقال أبو حيان: الظاهر أن الخبيث والطيب عامان فيندرج تحتهما المال وحرامه، وصالح العمل وفاسده، وجيد الناس ورديئهم، وصحيح العقائد وفاسدها ونظير هذه الآية قوله تعالى