تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5.51-66

المناسبة: لما حكى تعالى عن أهل الكتاب أنهم تركوا العمل بالتوراة والإنجيل وحكم عليهم بالكفر والظلم والفسوق، حذر تعالى في هذه الآيات من موالاة اليهود والنصارى، ثم عدد جرائم اليهود وما اتهموا به الذات الإلهية المقدسة من شنيع الأقوال وقبيح الفعال.

اللغة: ﴿ دآئرة ﴾ واحدة الدوائر وهي صروف الدهر ونوازله قال الراجز:

ترد عنك القدر المقدورا

ودائرت الدهر أن تدورا

﴿ حبطت ﴾ بطلت وذهبت ﴿ تنقمون ﴾ تنكرون وتعيبون ﴿ السحت ﴾ الحرام وقد تقدم ﴿ مغلولة ﴾ مقبوضة والغل: القيد يوضع في اليد وهو كناية عن البخل، وغله وضع القيد في يده ﴿ أطفأها ﴾ الإطفاء: الإخماد حتى لا يبقى هناك أثر ﴿ مقتصدة ﴾ أي عادلة غير متغالية من القصد وهو الاعتدال.

سبب النزول: أ - عن ابن عباس قال: كان " رفاعة بن زيد " و " سويد بن الحارث " قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما فأنزل الله ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا... ﴾ الآية.

ب - عن ابن عباس قال: جاء نفر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل عليهم السلام، فقال: أومن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله " ونحن له مسلمون " فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم، ولا دينا شرا من دينكم فأنزل الله ﴿ قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ﴾ الآية.

التفسير: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء ﴾ نهى تعالى المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى ينصرونهم ويستنصرون بهم ويصافونهم ويعاشرونهم معاشرة المؤمنين ﴿ بعضهم أوليآء بعض ﴾ أي هم يد واحدة على المسلمين لاتحادهم في الكفر والضلال، وملة الكفر واحدة ﴿ ومن يتولهم منكم فإنه منهم ﴾ أي من جملتهم وحكمه حكمهم قال الزمخشري: وهذا تغليظ من الله وتشديد في مجانبة المخالف في الدين واعتزاله كما قال صلى الله عليه وسلم

" لا تراءى نارهما "

﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ أي لا يهديهم إلى الإيمان ﴿ فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ﴾ أي شك ونفاق كعبد الله بن أبي وأصحابه يسارعون في موالاتهم ومعاونتهم ﴿ يقولون نخشى أن تصيبنا دآئرة ﴾ أي يقولون معتذرين عن موالاة الكافرين نخاف حوادث الدهر وشروره أن يظفر اليهود بالمسلمين فلا يتم الأمر لمحمد قال تعالى ردا على مزاعمهم الفاسدة ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح ﴾ يعني فتح مكة وهذه بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بوعده تعالى بالفتح والنصرة ﴿ أو أمر من عنده ﴾ أي يهلكهم بأمر من عنده لا يكون فيه تسبب لمخلوق كإلقاء الرعب في قلوبهم كما فعل ببني النضير ﴿ فيصبحوا على مآ أسروا في أنفسهم نادمين ﴾ أي يصير المنافقون نادمين على ما كان منهم من موالاة أعداء الله من اليهود والنصارى ﴿ ويقول الذين آمنوا ﴾ أي يقول المؤمنون تعجبا من حال المنافقين إذا هتك الله سترهم ﴿ أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم ﴾ أي حلفوا لكم يا معشر اليهود بأغلظ الإيمان إنهم لمعكم بالنصرة والمعونة كما حكى تعالى عنهم

وإن قوتلتم لننصرنكم

[الحشر: 11] ﴿ حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين ﴾ أي بطلت أعمالهم بنفاقهم فصاروا خاسرين في الدنيا والآخرة ﴿ يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ﴾ خطاب على وجه التحذير والوعيد والمعنى: يا معشر المؤمنين من يرجع منكم عن دينه الحق ويبدله بدين آخر ويرجع عن الإيمان إلى الكفر ﴿ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ أي فسوف يأتي الله مكانهم بأناس مؤمنين يحبهم الله ويحبون الله ﴿ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ﴾ أي رحماء متواضعين للمؤمنين أشداء متعززين على الكافرين قال ابن كثير: وهذه صفات المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم متواضعا لأخيه متعززا على عدوه كقوله تعالى

صفوة التفاسير · الصفحة ١٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ١٩٣