البلاغة: 1- ﴿ أن يبسطوا إليكم أيديهم ﴾ بسط الأيدي كناية عن البطش والفتك، وكف الأيدي كناية عن المنع والحبس.
2- ﴿ وبعثنا منهم ﴾ فيه التفات عن الغيبة إلى المتكلم ومقتضى الظاهر وبعث وإنما التفت اعتناء بشأنه.
3- ﴿ ويخرجهم من الظلمات إلى النور ﴾ فيه استعارة استعار الظلمات للكفر والنور للإيمان.
4- ﴿ وجعلكم ملوكا ﴾ فيه تشبيه بليغ أي كالملوك في رغد العيش وراحة البال فحذف أداة الشبه ووجه الشبه فأصبح بليغا.
5- الطباق بين ﴿ يغفر.. ويعذب ﴾.
6- ﴿ أنعم الله عليهما ﴾ جملة اعتراضية لبيان فضل الله على عباده الصالحين.
الفوائد: الأولى: إنما سميت الأرض المقدسة أي المطهرة لسكنى الأنبياء المطهرين فيها فشرفت وطهرت بهم فالظرف طاب بالمظروف.
الثانية: قال بعض العارفين لبعض الفقهاء: أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فسكت ولم يرد عليه فتلا عليه هذه الآية ﴿ قل فلم يعذبكم بذنوبكم ﴾ ففي الآية دليل على أن المحب لا يعذب حبيبه ذكره ابن كثير.
5.27-40
المناسبة: لما ذكر تعالى تمرد بني إسرائيل وعصيانهم لأمر الله في قتال الجبارين، ذكر قصة ابني آدم وعصيان " قابيل " أمر الله وإقدامه على قتل النفس البريئة التي حرمها الله، فاليهود اقتفوا في العصيان أول عاص لله في الأرض، فطبيعة الشر فيهم مستقاة من ولد آدم الأول، فاشتبهت القصتان من حيث التمرد والعصيان، ثم ذكر تعالى عقوبة قطاع الطريق والسراق الخارجين على أمن الدولة والمفسدين في الأرض.
اللغة: ﴿ قربانا ﴾ القربان ما يتقرب به إلى الله ﴿ تبوء ﴾ ترجع يقال: باء إذا رجع إلى المباءة وهي المنزل ﴿ فطوعت ﴾ سولت وسهلت يقال: طاع الشيء إذا سهل وانقاد وطوعه له أي سهله ﴿ يبحث ﴾ يفتش وينقب ﴿ سوءة ﴾ السوأة: العورة ﴿ ياويلتا ﴾ كلمة تحسر وتلهف قال سيبويه: كلمة تقال عند الهلكة ﴿ ينفوا ﴾ نفاه: طرده وأصله الإهلاك ومنه النفاية لرديء المتاع ﴿ خزي ﴾ الخزي: الفضيحة والذل يقال أخزاه الله أي فضحه وأذله ﴿ الوسيلة ﴾ كل ما يتوسل به إلى الله ﴿ نكالا ﴾ عقوبة.
سبب النزول: عن أنس أن رهطا من عرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتووا المدينة - استوخموها - فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها، فلما صحوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا النعم فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم فجيء بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم وألقوا في الحرة حتى ماتوا فنزلت ﴿ إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله.. ﴾ الآية.
التفسير: ﴿ واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق ﴾ أي اقرأ يا محمد على هؤلاء الحسدة من اليهود وأشباههم خبر " قابيل وهابيل " ابني آدم ملتبسة بالحق والصدق وذكرهم بهذه القصة فهي قصة حق ﴿ إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ﴾ أي حين قرب كل منهما قربانا فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل قال المفسرون: سبب هذا القربان أن حواء كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى وكان يزوج الذكر من هذا البطن الأنثى من البطن الآخر فلما أراد آدم أن يزوج قابيل أخت هابيل ويزوج هابيل أخت قابيل رضي هابيل وأبى قابيل لأن توأمته كانت أجمل فقال لهما آدم: قربا قربانا فمن أيكما تقبل تزوجها، وكان قابيل صاحب زرع فقرب أرذل زرعه وكان هابيل صاحب غنم فقرب أحسن كبش عنده فقبل قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته فازداد قابيل حسدا وسخطا وتوعده بالقتل ﴿ قال لأقتلنك ﴾ أي قال قابيل لأخيه هابيل لأقتلنك قال: لم؟ قال لأنه تقبل قربانك ولم يتقبل قرباني قال: وما ذنبي؟ ﴿ قال إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ أي إنما يتقبل ممن اتقى ربه وأخلص نيته قال البيضاوي: توعده بالقتل لفرط الحسد له على تقبل قربانه فأجابه بأنك أتيت من قبل نفسك بترك التقوى لا من قبلي وفيه إشارة إلى أن الطاعة لا تقبل إلا من مؤمن متق لله ﴿ لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط يدي إليك لأقتلك ﴾ أي لئن مددت إلي يدك ظلما لأجل قتلي ما كنت لأقابلك بالمثل قال ابن عباس المعنى: ما أنا بمنتصر لنفسي ﴿ إني أخاف الله رب العالمين ﴾ أي لا أمد يدي إليك لأني أخاف رب العالمين قال الزمخشري: قيل: كان هابيل أقوى من القاتل ولكنه تحرج عن قتل أخيه خوفا من الله ﴿ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار ﴾ أي إن قتلتني فذاك أحب إلي من أن أقتلك قال أبو حيان: المعنى إن سبق بذلك قدر فاختياري أن أكون مظلوما ينتصر الله لي لا ظالما وقال ابن عباس: المعنى لا أبدؤك بالقتل لترجع بإثم قتلي إن قتلتني، وإثمك الذي كان منك قبل قتلي فتصير من أهل النار ﴿ وذلك جزآء الظالمين ﴾ أي عقاب من تعدى وعصى أمر الله ﴿ فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ﴾ أي زينت له نفسه وسهلت له قتل أخيه فقتله فخسر وشقي قال ابن عباس: خوفه بالنار فلم ينته ولم ينزجر ﴿ فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه ﴾ أي أرسل الله غرابا يحفر بمنقاره ورجله الأرض ليري القاتل كيف يستر جسد أخيه قال مجاهد: بعث الله غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما صاحبه ثم حفر له فدفنه، وكان ابن آدم هذا أول من قتل، وروي أنه لما قتله تركه بالعراء ولم يدر كيف يدفنه حتى رأى الغراب يدفن صاحبه فلما رآه ﴿ قال ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي ﴾ أي قال قابيل متحسرا يا ويلي ويا هلاكي أضعفت أن أكون مثل هذا الطير فأستر جسد أخي في التراب كما فعل هذا الغراب؟ ﴿ فأصبح من النادمين ﴾ أي صار نادما على عدم الاهتداء إلى دفن أخيه لا على قتله قال ابن عباس: ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة له ﴿ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض ﴾ أي من أجل حادثة " قابيل وهابيل " وبسبب قتله لأخيه ظلما فرضنا وحكمنا على بني إسرائيل أن من قتل منهم نفسا ظلما بغير أن يقتل نفسا فيستحق القصاص وبغير فساد يوجب إهدار الدم كالردة وقطع الطريق ﴿ فكأنما قتل الناس جميعا ﴾ أي فكأنه قتل جميع الناس قال البيضاوي: من حيث انه هتك حرمة الدماء وسن القتل وجرأ الناس عليه، والمقصود منه تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب ترهيبا عن التعرض لها وترغيبا في المحاماة عليها ﴿ ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ﴾ أي ومن تسبب لبقاء حياتها واستنقذها من الهلكة فكأنه أحيا جميع الناس قال ابن عباس في تفسير الآية: من قتل نفسا واحدة حرمها الله فهو مثل من قتل الناس جميعا ومن امتنع عن قتل نفس حرمها الله وصان حرمتها خوفا من الله فهو كمن أحيا الناس جميعا ﴿ ولقد جآءتهم رسلنا بالبينت ﴾ أي بعدما كتبنا على بني إسرائيل هذا التشديد العظيم وجاءتهم رسلنا بالمعجزات الساطعات والآيات الواضحات ﴿ ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون ﴾ أي ثم إنهم بعد تلك الزواجر كلها يسرفون في القتل ولا يبالون بعظمته قال ابن كثير: هذا تقريع لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها وقال الرازي: إن اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة أقدموا على قتل الأنبياء والرسل وذلك يدل على غاية قساوة قلوبهم ونهاية بعدهم عن طاعة الله تعالى، ولما كان الغرض من ذكر هذه القصص تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم عزموا على الفتك به وبأصحابه كان تخصيص بني إسرائيل بهذه المبالغة العظيمة مناسبا للكلام ومؤكدا للمقصود، ثم ذكر تعالى عقوبة قطاع الطريق فقال ﴿ إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ أي يحاربون شريعة الله ودينه وأولياءه ويحاربون رسوله ﴿ ويسعون في الأرض فسادا ﴾ أي يفسدون في الأرض بالمعاصي وسفك الدماء ﴿ أن يقتلوا ﴾ أي يقتلوا جزاء بغيهم ﴿ أو يصلبوا ﴾ أي يقتلوا ويصلبوا زجرا لغيرهم، والصيغة للتكثير ﴿ أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ﴾ معناه أن تقطع أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى ﴿ أو ينفوا من الأرض ﴾ أي يطردوا ويبعدوا من بلد إلى بلد آخر ﴿ ذلك لهم خزي في الدنيا ﴾ أي ذلك الجزاء المذكور ذل لهم وفضيحة في الدنيا ﴿ ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴾ هو عذاب النار، قال بعض العلماء: الإمام بالخيار إن شاء قتل، وإن شاء صلب، وإن شاء قطع الأيدي والأرجل، وإن شاء نفى وهو مذهب مالك.