والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا
[الأعراف: 85] ﴿ فاتقوا الله يأولي الألباب لعلكم تفلحون ﴾ أي فاتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه يا ذوي العقول لتفلحوا وتفوزوا برضوان الله والنعيم المقيم ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم ﴾ أي لا تسألوا الرسول عن أمور لا حاجة لكم بها إن طهرت لكم ساءتكم قال الزمخشري: أي لا تكثروا مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تسألوه عن تكاليف شاقة عليكم إن أفتاكم بها وكلفكم إياها تغمكم وتشق عليكم وتندموا على السؤال عنها ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ﴾ أي وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان نزول الوحي تظهر لكم تلك التكاليف التي تسؤكم فلا تسألوا عنها ﴿ عفا الله عنها ﴾ أي عفا الله عن مسائلكم السالفة التي لا ضرورة لها وتجاوز عن عقوبتكم الأخروية فلا تعودوا إلى مثلها ﴿ والله غفور حليم ﴾ أي واسع المغفرة عظيم الفضل والإحسان ولذلك عفا عنكم ولم يعاجلكم بالعقوبة ﴿ قد سألها قوم من قبلكم ﴾ أي سأل أمثال هذه المسائل قوم قبلكم فلما أعطوها وفرضت عليهم كفروا بها ولهذا قال ﴿ ثم أصبحوا بها كافرين ﴾ أي صاروا بتركهم العمل بها كافرين وذلك أن بني إسرائيل كانوا يستفتون أنبياءهم عن أشياء فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا ﴿ ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام ﴾ كان أهل الجاهلية إذا أنتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنها أي شقوها وحرموا ركوبها وهي البحيرة، وكان الرجل يقول: إذا قدمت من سفري أو برئت من مرضي فناقتي سائبة، وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها، وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكرا فهو لآلهتهم وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها وهي الوصيلة، وإذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا قد حمى ظهره وهو الحام، فلما جاء الإسلام أبطل هذه العادات كلها فلا بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، ﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون ﴾ أي ولكن الذين كفروا بالله يختلقون الكذب على الله وينسبون التحريم إليه فيقولون الله أمرنا بهذا وأكثرهم لا يعقلون أن هذا افتراء لأنهم يقلدون فيه الآباء ولهذا قال تعالى: ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول ﴾ أي وإذا قيل لهؤلاء الضالين هلموا إلى حكم الله ورسوله فيما حللتم وحرمتم ﴿ قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ ﴾ أي يكفينا دين آبائنا ﴿ أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ﴾ الهمزة للإنكار والغرض التوبيخ أي أيتبعون آباءهم فيما هم عليه من الضلال ولو كانوا لا يعلمون شيئا من الدين ولا يهتدون إلى الحق؟ ﴿ يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ﴾ أي احفظوها عن ملابسة المعاصي والإصرار على الذنوب والزموا إصلاحها ﴿ لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾ أي لا يضركم ضلال من ضل من الناس إذا كنتم مهتدين قال الزمخشري: كان المسلمون تذهب أنفسهم حسرة على الكفرة يتمنون دخولهم في الإسلام فقيل لهم عليكم أنفسكم بإصلاحها والمشي بها في طرق الهدى لا يضركم الضلال عن دينكم إذا كنتم مهتدين كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم
فلا تذهب نفسك عليهم حسرات
[فاطر: 8] وقال أبو السعود: ولا يتوهمن أحد أن في الآية رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن من جملة الاهتداء أن ينكر وقد روي أن الصديق قال يوما على المنبر: أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية وتضعونها غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بعقابه "
﴿ إلى الله مرجعكم جميعا ﴾ أي مصيركم ومصير جميع الخلائق إلى الله ﴿ فينبئكم بما كنتم تعملون ﴾ أي فيجازيكم بأعمالكم قال البيضاوي: هذا وعد ووعيد للفريقين، وتنبيه على أن أحدا لا يؤاخذ بذنب غيره ﴿ يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ﴾ أي يا أيها المؤمنون إذا شارف أحدكم على الموت وظهرت علائمه فينبغي أن يشهد على وصيته ﴿ اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم ﴾ أي يشهد على الوصية شخصين عدلين من المسلمين أو أثنان من غير المسلمين إن لم تجدوا شاهدين منكم ﴿ إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت ﴾ أي إن أنتم سافرتم فقاربكم الأجل ونزل بكم الموت ﴿ تحبسونهما من بعد الصلاة ﴾ أي توقفونهما من بعد صلاة العصر لأنه وقت اجتماع الناس وكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم استحلف عديا وتميما بعد العصر عند المنبر ﴿ فيقسمان بالله إن ارتبتم ﴾ أي يحلفان بالله إن شككتم وارتبتم في شهادتهما قال أبو السعود: أي إن ارتاب بهما الوارث منكم بخيانة وأخذ شيء من التركة فاحبسوهما وحلفوهما بالله ﴿ لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ﴾ أي يحلفان بالله قائلين: لا نحابي بشهادتنا أحدا ولا نستبدل بالقسم بالله عرضا من الدنيا أي لا نحلف بالله كاذبين من أجل المال ولو كان من نقسم له قريبا لنا ﴿ ولا نكتم شهادة الله إنآ إذا لمن الآثمين ﴾ أي ولا نكتم الشهادة التي أمرنا الله تعالى بإقامتها إنا إن فعلنا ذلك كنا من الآثمين ﴿ فإن عثر على أنهما استحقآ إثما ﴾ أي فإن اطلع بعد حلفهما على خيانتهما أو كذبهما في الشهادة ﴿ فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان ﴾ أي فرجلان آخران من الورثة المستحقين للتركة يقومان مقام الشاهدين الخائنين وليكونا من أولى من يستحق الميراث ﴿ فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ﴾ أي يحلفان بالله لشهادتنا أصدق وأولى بالسماع والاعتبار من شهادتهما لأنهما خانا ﴿ وما اعتدينآ إنا إذا لمن الظالمين ﴾ أي وما اعتدينا فيما قلنا فيهما من الخيانة إنا إذا كذبنا عليهم نكون من الظالمين ﴿ ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجههآ ﴾ أي ذلك الحكم أقرب أن يأتوا بالشهادة على حقيقتها من غير تغيير ولا تبديل ﴿ أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ﴾ أي يخافوا أن يحلف غيرهم بعدهم فيفتضحوا ﴿ واتقوا الله واسمعوا ﴾ أي خافوا ربكم وأطيعوا أمره ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ أي والله لا يهدي الخارجين عن طاعته إلى جنته ورحمته.